وقيل غير ذلك، المراد هنا: المرسل عند الفقهاء هو: قول غير الصحابي في أي أصل كان: قال صلى الله عليه وسلم.
وعند المحدثين وهو الصحيح -عندهم-: أنه قول التابعي كبيرًا أو صغيرًا: قال صلى الله عليه وسلم.
(وَهُوَ حُجَّةٌ كَمَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ) .
(وَهُوَ) {أَيْ الْمُرْسَلُ} (حُجَّةٌ كَمَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ) .
(وَهُوَ) إذا كان المراد به"هو"المرسل بالمعنى السابق يكون حجة! هذا غريب؛ لأنه دخل فيه المعضل فكيف يكون حجة؟ ودخل فيه المنقطع فكيف يكون حجة؟
(وَهُوَ) {أَيْ الْمُرْسَلُ حُجَّةٌ كَمَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ} مراسيل الصحابة: أن يسقط الصحابي صحابيًا آخر"وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وَصْلٌ فِي الأَصَحْ".
إذًا: يعتبر موصولًا ولا إشكال فيه، وهذا محل وفاق في الجملة.
حينئذٍ إذا أسقط الصحابي صحابيًا آخر يسمى مرسلًا، ولذلك مرويات صغار الصحابة ممن لم يأخذوا عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا لا شك أنها مرسلة، ومع ذلك اتفقوا على قبولها.
(وَهُوَ) أَيْ الْمُرْسَلُ حُجَّةٌ كَمَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَحَكَاهُ الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُولِ عَنْ الْجُمْهُورِ. وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّ التَّابِعِينَ أَجْمَعُوا بِأَسْرِهِمْ عَلَى قَبُولِ الْمَرَاسِيلِ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ إِنْكَارُهَا إلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ حتى جاء الشافعي واشترط.
وَكَذَا قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: إِنْكَارُ كَوْنِهِ حُجَّةً بِدْعَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ. وَذَلِكَ لِقَبُولِهِمْ مَرَاسِيلَ الأَئِمَّةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
وَعَنْ الإِمَامِ أحمد رحمه الله تعالى رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: أَنَّ الْمُرْسَلَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وهو الأصح، ولذلك قال: ورده الأرجح، أو ورده الأقوى.
{وَعَنْ الإِمَامِ أحمد رحمه الله تعالى رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: أَنَّ الْمُرْسَلَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ} لماذا؟
لأنه إذا أسقط رجلًا يحتمل أنه ثقة وأنه ليس بثقة، حينئذٍ لا يكون إسناده متصلًا.
{قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ} يعني: أن المرسل لا يُحتج به؛ لسقوط راوٍ، ثم لا نعلم من هو.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَنُقَّادِ الأَثَرِ، كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ. وَحَكَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ. وَهَذَا وَإِنْ قَالَهُ مُسْلِمٌ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ، لَكِنْ أَقَرَّهُ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ فِيهِ جَهْلًا بِعَيْنِ الرَّاوِي وَضَعْفِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَتْبَاعُهُ: إِنْ كَانَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ إلى ما ذكره من شروط هي معتبرة عند الشافعية، والصواب هو التعميم: أن المرسل ضعيف من كل وجه، هذا هو الصحيح.