قال: {وَاسْتَدَلَّ لَلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ -وَهُوَ كَوْنُ الأَمْرِ مَجَازًا فِي غَيْرِ الْقَوْلِ الْمَخْصُوص- بِأَنَّ الْقَوْلَ يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الإِطْلاقِ} إذا قلت لشخصٍ ما أو قال فصيح اللسان -ليس كل الناس- إذا قال: أمرت زيدًا لا يتبادر إلا أنه قال مثلًا: قم. أو نحو ذلك.
يعني: لا يتبادر إلى الذهن من الأمر هنا إلا القول، أنه قال له شيء، أمرت زيدًا بكذا، حينئذٍ كأنه قال له: قلت لزيدٍ قم فصل مثلًا .. إلى آخره.
{وَلَوْ كَانَ مُتَوَاطِئًا لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الأَخَصُّ} لأن المتواطئ مر معنا أنه نوع من أنواع الكلي، فحينئذٍ إثبات الأعم لا يستلزم الأخص، فكيف يفهم منه ذلك؟ هذا باطل.
{لأَنَّ الأَعَمَّ لاَ يَدُلُّ عَلَى الأَخَصِّ} كما هو الشأن في الكلي، الإنسان لا يدل على زيد .. إنسانٌ كلي لا يدل على زيد، وإنما لا بد من التنصيص عليه.
{وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ لَزِمَ الاِشْتِرَاكُ} والأصل عدم الاشتراك، {وَالاطِّرَادُ} بأن يكون كل فعلٍ أمرًا: الأكل أمر، والشرب أمر، والنوم أمر .. وهكذا. وهذا باطل.
{لأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ الْحَقِيقَةِ، وَلاَ يُقَالُ لِلآكِلِ آمِرٌ، وَلا يُشْتَقُّ لَهُ مِنْهُ أَمْرٌ} هكذا قال.
{وَلاَتَّحَدَ جَمْعَاهُمَا} أوامر وأمور على الخلاف هل هما مختلفان أم لا، والصحيح أنه متعدد الجمع.
{وَلَوُصِفَ بِكَوْنِهِ مُطَاعًا وَمُخَالِفًا، وَلِمَا صَحَّ نَفْيُهُ} .
على كلٍ: الصواب هو ما قدمه المصنف رحمه الله تعالى، وأحسن دليل يُستدل به هو أن المتبادر إلى الذهن هو القول دون الفعل.
قال: (وَحَدُّهُ اقْتِضَاءُ أَوِ اسْتِدْعَاءُ مُسْتَعْلٍ مِمَّنْ دُونَهُ فِعْلًا بِقَوْلٍ) .
أراد أن يعرِّف لنا الأمر، قلنا البحث في الأمر في مقامين: المقام الأول: في لفظه. وهو ما مر"أَمَرَ"من حيث اللفظ مسماه لفظٌ وهو القول المخصوص، وهل يسمى به الفعل يعني: يكون مسماه الفعل؟ نعم يجوز ولكنه مجازٌ لا حقيقة.
الآن أراد أن يبحث في مدلوله. يعني: في معناه، ما الذي يصدق عليه لفظ الأمر؟
قال: (وَحَدُّهُ) {أَيْ: حَدُّ الأَمْرِ فِي الاِصْطِلاحِ} عند الأصوليين.
قال: (اقْتِضَاءُ) والاقتضاء المراد به هو الطلب.
(أَوِ اسْتِدْعَاءُ) كذلك الاستدعاء هو الطلب، والمصنف هنا جمع بين حدين؛ لأن المشهور عند الأصوليين إما أن يعرَّف بالاقتضاء أو يعرف بالاستدعاء، وهو هنا وافق القاضي أبا يعلى في العدة، وكذلك ابن عقيل في الواضح؛ بأنه جمَع بين الاقتضاء والاستدعاء، وأنا لا أدري ما الفرق بينهما عند جمعهما؛ لأن الاقتضاء هو الاستدعاء والاستدعاء هو الاقتضاء.
الاقتضاء هو الطلب، والاستدعاء مأخوذٌ من الدعاء. والدعاء هو الطلب، ما الفرق بينهما؟
ولذلك أكثر الأصوليين إما أنه يقدم الاستدعاء، يقول: استدعاء فعلٍ إلى آخره، أو اقتضاء فعلٍ إلى آخره. وأما الجمع بينهما فلا أرى له وجهًا إلا أن يكون ثم أمرٌ آخر الله أعلم به.
قال: (اقْتِضَاءُ) هذا جنس شمل الأمر والنهي؛ لأنه مر معنا في حد الحكم الشرعي أنه خطاب الله المتعلق بفعل المكلَّف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.