فهرس الكتاب

الصفحة 923 من 1890

قوله: بالاقتضاء المراد باقتضاء الذي هو الطلب: اقتضاء فعلٍ واقتضاء تركٍ.

الفعل والترك في الجملة أمرٌ ونهي. إذًا: قوله"اقتضاء"جنس شمل الأمر والنهي، والاقتضاء قد يكون جازمًا في النوعين: الفعل أو الترك.

إذًا: يشمل كذلك الجازم وغير الجازم.

ولذلك نقول دائمًا: أن مسمى الأمر لا يصدق على الاقتضاء الجازم فحسب، ليس مسماه الإيجاب، وإنما مسماه الطلب .. الاقتضاء بنوعيه: الجازم وغير الجازم.

وحينئذٍ ينبني عليه مسألة أصولية وهي: أنه إذا جاء أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، أمَرَ .. أنت قلت اقتضاء وهو شمل الأمر والنهي، وشمل اقتضاء الفعل بنوعيه الجازم وغير الجازم، فحينئذٍ نحتاج إلى قرينة لتُعين المراد منهما، هل المراد به الاقتضاء الجازم أو الاقتضاء غير الجازم؟

فنحمله على اليقين وهو الاقتضاء غير الجازم، حتى يدل الدليل على الأخص وهو أن المراد به الاقتضاء الجازم.

ولذلك هنا يُنبَّه"اقتضاء"المراد به اقتضاء فعلٍ على جهة الجزم وهو الإيجاب، واقتضاء فعلٍ لا على الجزم وهو الندب.

ومن هنا رجَّحنا فيما سبق أن الندب مأمورٌ به. لماذا؟

قلنا: من الأدلة أنه يصدق عليه حد الأمر، إذا صدق عليه حد الأمر حينئذٍ إذا جاء النص: أَمَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا لا تحمل على الإيجاب مباشرة، نقول: لا. هذا يحتاج إلى قرينة ترجِّح أحد الأمرين على الآخر.

قال: (اقْتِضَاءُ أَوْ اسْتِدْعَاءُ مُسْتَعْلٍ) أي: على جهة الاستعلاء.

يعني: لا يكون أمرًا إلا إذا كان على جهة الاستعلاء، وسيأتي الكلام في هذا النوع.

قال: (مِمَّنْ دُونَهُ) يعني: لا بد أن يكون من أعلى إلى أدنى ليسمى أمرًا؛ احترازًا من أدنى إلى أعلى وهو الدعاء، أو من مساوٍ إلى مساوٍ وهو الالتماس:

أَمْرٌ مَعَ اسْتِعْلاَ وَعَكْسُهُ دُعَا ... وَفِي التَّسَاوِي فَالْتِمَاسٌ وَقَعَا

إذًا: أخذ الأصوليون من هذه القاعدة: أن الاستدعاء إذا كان من أعلى إلى أدنى فهو الأمرُ، وإذا كان من أدنى إلى أعلى فهو الدعاء، وإن كان من مساوٍ إلى مساوٍ فهو الالتماس. وهذه قاعدة باطلة كما ذكرناه في موضعه؛ لأن هذا تحكم على اللغة، لم يرد حرفٌ واحد عن أهل اللغة بهذا التفصيل: بأن الأمر إذا كان من أعلى إلى أدنى فهو أمرٌ، وإذا كان بالعكس فهو دعاء.

وإنما صيغة: افعل. حكَم عليها أهل اللغة بأنها أمرٌ بقطع النظر عن كونها صادرة ممن، هذا لا يُلتفت إليه، وإنما يُنظر فيه من حيث إطلاق اللفظ فيقال: افعل هذه صيغة أمرٍ.

فحينئذٍ سواءً كان من أدنى إلى أعلى أو بالعكس أو من المساوي، فكله في اللغة يسمى أمرًا، وهذا التفصيل إنما هو حادثٌ على اللغة، دخل إما من جهة المنطق -علماء المنطق أو أهل المنطق-، وإما من جهة تفصيلات بعض البيانيين المتأخرين، وإلا في لسان العرب لا يُعرف هذا التفصيل. مع اشتهاره على ألسنة أهل العلم.

هكذا أخذوها قاعدة كأنها مسلمة، ليس الأمر كذلك؛ لأنه ليس عليها دليلٌ واضح وإنما هو استنباط فحسب.

ولذلك النحاة يقولون: ربنا اغفر لنا. هذا فعل دعاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت