حينئذٍ قال: ماذا تأمرون. دل على أن الأمر لا يشترط فيه علو ولا استعلاء.
ومعلومٌ انتفاء العلو إذْ كان فرعون في تلك الحالة أعلى رتبة منهم، وقد جعلهم آمرين له. هذا انتفاء العلو.
وانتفاء الاستعلاء؛ إذْ لم يكونوا مستعلين عليه، قال: تأمرون. لم يكونوا مستعلين عليه.
وهذا بناء على أن معنى الأمر في الآية القول المخصوص، وإن كان نازعه الزركشي في تشنيف المسامع قال: ليس الأمر كذلك إنما المراد الصورة، واستدل بآية أخرى قال إنها أولى وهي قوله تعالى: (( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ) ) [البقرة:268] يَأْمُرُكُمْ، الشيطان أعلى؟ لا. ابن آدم المسلم أعلى رتبة من الشيطان، فيقتضي مجامعة الأمر مع أن الآمر أدون رتبة، ولا شك في ذلك.
إذًا: الصواب أنه لا يُشترط فيه علوٌ ولا استعلاء، وهو الذي قدمه في جمع الجوامع وصححه المحلي وأورد عليه الأدلة، وكذلك في مراقي السعود حيث قال:
وَلَيْسَ عِنْدَ جُلِّ الاَذْكِيَاءِ ... شَرْطُ عُلُوٍّ فِيْهِ وَاسْتِعْلاَءِ
ونُسب إلى الجمهور.
إذًا: ما اشترطه المصنف هنا من أنه مستعلٍ هذا بناء على القاعدة التي ذكرنا أنها غير صحيحة.
قال: (وَتُعْتَبَرُ إِرَادَةُ النُّطْقِ بِالصِّيغَةِ) وهذه قيل: اتُفق عليها.
ولذلك: {قَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: بِلاَ خِلافٍ، حَتَّى لا يَرِدُ نَحْوُ: نَائِمٍ وَسَاهٍ} .
يعني: النائم لو قال: افعل. والساهي إذا قال: افعل. هل يسمى أمرًا أو لا؟
هنا في باب الأمر قيل: تعتبر إرادة الصيغة يعني: النطق.
{قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: اتَّفَقْنَا أَنَّ إرَادَةَ النُّطْقِ مُعْتَبَرَةٌ. وَإِلاَّ فَلَيْسَ طَلَبًا وَاقْتِضَاءً وَاسْتِدْعَاءً} .
لأن النظر هنا من جهتين: بحثُنا السابق في كون الأمر هو اللفظ الدال على الاقتضاء، حينئذٍ الاقتضاء مدلول الأمر، هل فيه خلاف؟ لا شك فيه، لكن هل الأمر هو الاقتضاء .. هو المدلول؟ لا. ليس هذا، وإنما هو اللفظ. مع اقتضاء.
حينئذٍ نجمع بين اللفظ والمعنى.
إرادة الصيغة من أجل أن يكون اقتضاء قيل: حُكي الإجماع على أنها لا بد منها.
{وَاخْتَلَفَ النَّاسُ: هَلْ هُوَ كَلاَمٌ؟ فَنَفَاهُ الْمُحَقِّقُونَ، فَقَوْمٌ لِقِيَامِ الْكَلامِ بِالنَّفْسِ, وَقَوْمٌ لِعَدَمِ إرَادَتِهِ} .
يعني: إذا قال النائم: افعل، أو تكلم متكلم وهو ساهٍ ليس نائمًا يقظًا قال: افعل، صل، صم .. إلى آخره، هل يُسمى كلامًا أو لا؟
مر معنا في حد الكلام فيما سبق: أن ثم خلافًا في تفسير الوضع ما المراد به. في قول ابن آجروم وغيره؟
الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع، قيل: القصد وهو المراد هنا.
فحينئذٍ إذا قيل: المراد بالوضع هو القصد، كل ما لم يكن معه إرادة النطق حينئذٍ لا يسمى كلامًا، فخرج النائم والساهي والمجنون فلا يسمى كلامًا لانتفاء القصد، ودخل كلام البربر والإنجليز والفرنسيين إلى آخره يسمى كلامًا.
والعكس: قيل فسَّر الوضع هنا بالوضع العربي، حينئذٍ يدخل معنا كلام النائم والساهي إلى آخره ولو لم يكن مقصودًا؛ لأن المراد بالقصد: هو أن ينطق مريدًا بقلبه إفادة السامع.