{قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: هُوَ قَوْلُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَالأَوْزَاعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ الْبَلْخِيُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَة} .
إذًا: (وَتَدُلُّ) أي: الصيغة .. صيغة افعل وليفعل.
(بِمُجَرَّدِهَا) يعني: دون ضميمة قرينة أخرى.
(عَلَيْهِ) يعني: على الاقتضاء والطلب من جهة اللغة.
(لُغَةً) يعني: لا لأمرٍ زائد على ذلك.
ولذلك قال: {عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَة} .
ثم قال: {وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الصِّيغَةُ الأَمْرُ. فَمَنَعَ أَنْ يُقَالَ لِلأَمْرِ صِيغَةٌ} .
هذه مسألة يذكرها الأصوليون بعد أن يُعرَّف الأمر بالاقتضاء. يعني: المعنى القائم بالنفس، ثم يختلفون: هل للأمر صيغة أم لا؟
فثَم قولان عندهم، وهذا السؤال بدعي؛ لأنه مبنيٌ على أصل: وهو أن الكلام أو الأمر هو شيءٌ نفسي .. معنى قائم بالنفس.
فحينئذٍ يرد هذا السؤال المبتدع فيقال: هل للأمر صيغة أم لا؟
عند أهل السنة والجماعة لا، هذا متفقٌ عليه: أن الأمر له صيغة، له بنية، له هيئة تدل عليه. وهي بإجماع أهل اللغة صيغة افعل وما جرى مجراها.
حينئذٍ السؤال من أصله لا يرد عند أهل السنة والجماعة، وإنما يرد على الأصل المخالف.
لكن هل يمنع من قال بأن الأمر له أن يعبّر: صيغة الأمر؟ لا مانع من ذلك.
إذا كان المعتقد صحيح حينئذٍ لا مانع أن يقال: صيغة الأمر وصيغة النهي، وصيغة العموم. يعني: اللفظ الذي يدل على العموم، ولا شك أن لسان العرب فيه لفظة تدل على الطلب: باقتضاء، وفيه لفظة تدل على النهي، وفيه لفظ عام وخاص إلى آخره .. هذا لا نزاع فيه.
فتسمية هذا اللفظ صيغة فيقال: صيغة الأمر. يعني: من باب إضافة الدال للمدلول لا إشكال فيه، لكن بناء على ما ذكره الأصوليون هذا نقول: سؤال محدَث، ولذلك قال هنا: {وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الصِّيغَةُ الأَمْرُ} .
نعم هي الأمر. افعل هي الأمر والأمر هو افعل، لا فرق بينهما.
فمنع أن يقال للأمر صيغة، لعله أراد سد الباب، إن كان يعتقد خلاف ما يعتقده الأشاعرة.
{أَوْ أَنْ يُقَالَ: هِيَ دَالَّةٌ عَلَيْهِ} .
هي الأمر، كيف تدل على الأمر؟ هو هذا مراده.
{أَوْ أَنْ يُقَالَ: هِيَ دَالَّةٌ عَلَيْهِ} . نحن نقول: افعل هي الأمر ليس عندنا شيء آخر، ولا شك أن مسمى اللفظ لفظٌ هنا والمعنى معتبرٌ فيه، ليس عندنا لفظ مجرد عن المعنى ومعنى مجرد عن اللفظ، فحينئذٍ هو لفظ. فكيف يقال: أمرٌ دال على الأمر. هذا فيه شيءٌ من الخلل.
{بَلْ الصِّيغَةُ نَفْسُهَا هِيَ الأَمْرُ، وَالشَّيْءُ لاَ يَدُلُّ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ أنهم قالوا: الأَمْرُ الإِرَادَةُ، أَو الأَشْعَرِيَّةِ: الأَمْرُ مَعْنًى فِي النَّفْسِ} .
فحينئذٍ"معنى في النفس"هل له صيغة تعبّر عن هذا المعنى أو لا؟ على خلافٍ بينهم.
ولهذا قال ابن قدامة: وزعمت فرقة من المبتدعة أنه لا صيغة للأمر بناء على خيالهم أن الكلام معنى قائمٌ في النفس فخالفوا الكتاب والسنة وأهل اللغة والعرف.