فهرس الكتاب

الصفحة 932 من 1890

واتفاق أهل اللسان على تسمية هذه الصيغة أمرًا، ولو قال رجلٌ لعبده: اسقني ماءً عُدَّ آمرًا وعُدَّ العبد مطيعًا بالامتثال وعاصيًا بالترك مستحقًا للأدب والعقوبة. الشاهد في قوله: وزعمت فرقة من المبتدعة. فهم مبتدعة.

حينئذٍ قالوا: هل الأمر له صيغة أم لا؟ بناء على المعنى القائم في النفس.

ولذلك هنا مبحث الكلام وتحقيق مسائل أهل السنة والجماعة في الكلام المراد بالقرآن هذا مبحث نفيس؛ لأنه يُعتمد عليه في سائر الأبواب الآتية، لا بد أنه يُراعى.

فحينئذٍ هنا يقع الخلط عند بعض طلاب العلم أو عند من لم يتمعن في مثل هذه المسائل، قد تدخل عليه بعض المسائل هي مبنية على إثبات الكلام النفسي. ومن قال بنفيه لزم منه أن ينفي هذه المسألة.

قد يقع عند بعضهم أنه يُسلّم بهذه المسألة، ولذلك سيأتي معنا هل الأمر هو عين النهي أو ضده؟ هذه بناء على مسألة إثبات المعنى النفسي.

{وَكَذَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ: صِيغَةُ الأَمْرِ. كَقَوْلِك: ذَاتُ الشَّيْءِ وَنَفْسُهُ} .

ثم قال: (لاَ إِرَادَةُ الْفِعْلِ) .

يعني: لا يُشترط إرادة الفعل خلافًا للمعتزلة الذين قالوا: إن الأمر هو الإرادة، والمراد بالإرادة هنا .. إرادة الفعل يعني: فعل المأمور به وامتثاله، وهي الإرادة الكونية .. المراد بالإرادة هنا الكونية، هو لا شك أن الأمر الشرعي يلازم الإرادة الشرعية الدينية، متلازمة هذه، بمعنى أن الله تعالى لا يأمر شرعًا إلا بما يريده ويحبه من جهة الشرع، وأما الإرادة الكونية القدرية هذه لا تلازم بينها وبين الأمر الشرعي، فقد يريد الشيء شرعًا ولا يقع كونًا، عند المعتزلة لا، الأمر ملازمٌ للإرادة الكونية.

{وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الأَمْرِ} يعني: لا يُشترط في كون الأمر أمرًا (إِرَادَةُ) الآمر (الْفِعْلَ) .

يعني: فعل المأمور به والامتثال.

عند أهل السنة والجماعة وهو اتفاق على ذلك. خلافًا للمعتزلة، والمعتزلة لا خلاف بيننا وبينهم أن الأمر دل على الطلب، كل منهم يسلِّم بأن الأمر دالٌ على الطلب، وإنما الخلاف في حقيقة الطلب، ما هو حقيقة الطلب هذا؟

عند المعتزلة هو الإرادة .. هو إرادة الفعل .. إرادة المأمور به.

وعندنا شيءٌ آخر غير الإرادة (( فَصَلِّ ) ) [الكوثر:2] معناه: إرادة الصلاة، أو طلب إيجاد صلاة من المكلَّف؟ الثاني ليس الأول.

يعني: على قول المعتزلة صل معناه: أراد الله عز وجل كونًا من العبد أن يصلي فستقع الصلاة، عند أهل السنة والجماعة المراد بصل: طلب إيجاد الصلاة من المكلَّف، وقد تقع وقد لا تقع. فرقٌ بين القولين.

قال: {خِلاَفًا لِلْمُعْتَزِلَةِ؛ لأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَ إبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِه، وَلَمْ يُرِدْهُ مِنْهُ} إذ لو أراده لوقع، قلنا المراد بالإرادة الكونية هنا: أَمَرَ إبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِه، أمره حقيقة أو مجازًا؟ حقيقة، هل وقع؟ لم يقع قطعًا.

حينئذٍ أراده بالأمر ولم يرده كونًا، أراده بالأمر .. أن يتوجه إلى الأمر، ولم يرده كونًا.

{وَأَمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ} وقع؟ لم يقع. إذًا: أمر إبليس بالسجود أمرًا شرعيًا ولم يرده منه كونًا؛ إذ لو أراده كونًا لوقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت