إذًا: وجد الأمر الشرعي وانتفت الإرادة، فحينئذٍ كيف يقال بأن الأمر الإرادة؟ لو كان الأمر إرادة للزم منه: كلما وجد الأمر وجدت الإرادة، والعكس بالعكس. وهذا باطل.
{وَلَمْ يُرِدْهُ مِنْهُ، وَلَوْ أَرَادَهُ لَوَقَعَ؛ لأَنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَلأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ تُرَدَّ الأَمَانَاتُ إلَى أَهْلِهَا ثُمَّ إنَّهُ لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لأؤَدِّيَنَّ إلَيْك أَمَانَتَك غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَحْنَثْ} لأنه علّقه بالمشيئة.
ثم قوله: لأؤدي الأمانة هذا وافق الأمر ولم يقع. دل على أن الأمر ليس ملازمًا للإرادة، والعكس بالعكس.
قال: {لَمْ يَحْنَثْ} . مع أنه كونه أقسم على ذلك.
{وَلَوْ كَانَ مُرَادَ اللَّهِ لَوَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ} فإن الله قد شاء ما أمره به من أداء الأمانة.
{وَلاَ حِنْثَ بِالإِجْمَاعِ، خِلافًا لِمَنْ حَنَّثَهُ كَالْجُبَّائِيِّ} وغيره.
وَخَرَقَ الإِجْمَاعَ.
قَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالطُّوفِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الأَصْحَابِ: لَنَا عَلَى أَنَّ الأَمْرَ لا يُشْتَرَطُ لَهُ إرَادَةُ: إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا.
وكما أنهم أجمعوا على عد اشتراط الاستعلاء والعلو، ولا الاستعلاء والعلو من صيغة افعل كذلك لم يُنقل عنهم حرفٌ واحد أنهم علّقوا الأمر بالإرادة.
وأيضًا نجد أن الآمر يأمر بما لا يريده؛ لأن الله تعالى أمر الكفار بالإيمان، وهل تخلف الإيمان عن بعضهم؟ نعم.
حينئذٍ نقول: لو كانت الإرادة مرادفة للأمر لما بقي كافر إلا وقد آمن. حينئذٍ نقول: الإيمان من الكفار مطلوب بالإجماع، ومنهم من أخبر الله تعالى بأنه لا يؤمن فكان إيمانه محالًا لإخبار الله تعالى بعدمه، والمحال لا يكون مراد الله تعالى.
ولأن الطلب قد يتحقق بدون الإرادة؛ لأنه يجتمع مع الكراهة، ولو كان الأمر الإرادة لوجب وجود أوامر الله تعالى كلها.
الإرادات قال ابن برهان: ثلاثة أنواع، التي يتكلم عنها الأصوليون هنا:
أولًا: إرادة إيجاد الصيغة. يعني: أن ينطق بصيغة افعل؛ احترازًا عن النائم وهو متفق على اعتبارها. على ما مضى .. ذكرها المصنف.
النوع الثاني: إرادة صرف اللفظ عن غير جهة الأمر إلى جهة الأمر؛ احترازًا عن التهديد ونحوه.
صيغة افعل لها معاني وسيأتي ذكرها.
هل يُشترط إذا نطق بصيغة افعل أن يريد بها الأمر، لا يريد بها التهديد ولا التعجب ولا التسوية، أم لا يُشترط ذلك؟ هذا محل نزاع.
والصحيح: أنه إذا تجردت عن القرائن انصرفت بنفسها إلى الطلب .. إلى الأمر، فلا نحتاج إلى هذه الإرادة. والصحيح عدم اعتبارها، لكنها ذُكرت.
إرادة صرف اللفظ عن غير جهة الأمر إلى جهة الأمر؛ احترازًا عن التهديد ونحوه، فاعتبرها المتكلمون ولم يعتبرها الفقهاء وهو الصحيح، أنها غير معتبرة؛ لأن كل ما جاءت الصيغة له فحينئذٍ نقول: هو مجاز، وإذا تجردت حُملت على الأمر.
النوع الثالث من الإرادات: إرادة فعل المأمور به والامتثال؛ احترازًا عن الحاكي والمبلِّغ، وهي الأخيرة هذه .. التي فسر بها المعتزلة الأمر، فاعتبرها المعتزلة ونفاها أهل السنة والجماعة.