{نَدْبٍ نَحْوُ قوله تعالى: (( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) )فَإِنَّهُ لِلنَّدْبِ عَلَى الأَصَحِّ مِنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَجَمَاعةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ} . وقيل للوجوب وهو مذهب داود الظاهري وجمعٍ.
{قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: حَمْلُ الآيَةِ عَلَى الْوُجُوبِ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ} أراد بهذا التنكيت على المرداوي، كأنه تعارض بين الإنصاف والتحبير.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: حَمْلُ الآيَةِ عَلَى الْوُجُوبِ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ.
مَعَ قَوْلِهِ يعني: المرداوي {فِي كِتَابِهِ الإِنْصَافِ: إِنَّ كَوْنَ الْكِتَابَةِ مُسْتَحَبَّةً لِمَنْ عُلِمَ فِيهِ خَيْرٌ: الْمَذْهَبُ بِلا رَيْبٍ، وَذَكَرَهُ عَنْ جَمَاهِيرِ الأَصْحَابِ، فَلْيُعَاوِدْ ذَلِكَ مَنْ أَرَادَهُ} .
يعني: هذه فائدة من الفتوحي تعارَض فيها صاحب الإنصاف بين مسألتين في نسبة القول إلى المذهب.
هو بشر يصيب ويخطئ وقد يحصل منه التعارض والتناقض ولا إشكال فيه.
قال: (وَإِبَاحَةٍ) وهذا المعنى الثالث يعني: تأتي للإباحة.
كقوله تعالى: { (( وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ) )، (( فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) )} .
والمراد هنا: اصطادوا. الإباحة يعني: يباح لكم، كذلك"انشروا"ليس المراد الإيجاب ولا الندب.
قال: {وَاعْلَمْ أَنَّ الإِبَاحَةَ إنَّمَا تُسْتَفَادُ مِنْ خَارِجٍ} . كل ما قيل فيه ندبٌ أو قيل إباحة فالحكم حينئذٍ يكون شرعيًا، ولا شك أنه لا يصرف اللفظ عن الإيجاب إلى الندب أو الإباحة إلا بقرينة من خارج.
هذا مراده الذي أراد أن يبينه.
قال: (وَإِرْشَادٍ) يعني: تأتي صيغة افعل للإرشاد {نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ) )، وقوله تعالى: (( وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ ) )، وقولِه تعالى: (( إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ) )} .
اكتبوه هذا صيغة افعل، قال: ليس المراد بها الإيجاب ولا الندب ولا الإباحة، إنما أراد به الإرشاد.
ما معنى الإرشاد؟ قال: الإرشاد هو أمرٌ شرعيٌ يرجع إلى مصالح الدنيا، والندب يرجع إلى مصالح الآخرة.
ولذلك قال: {وَالضَّابِطُ فِي الإِرْشَادِ: أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا، بِخِلافِ النَّدْبِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَصَالِحِ الآخِرَةِ، وَأَيْضًا: الإِرْشَادُ لاَ ثَوَابَ فِيهِ، وَالنَّدْبُ فِيهِ الثَّوَابُ} هكذا قال.
وجرى على ذلك النووي وكثير من الفقهاء، والصواب: أنه لا فرق بين الإرشاد والندب، الإرشاد هو الندب والندب هو الإرشاد.
صيغة افعل في استعمال الشارع لا تخرج -الأصل إذا تجردت عن القرائن- عن الإيجاب، فهي محمولة على الإيجاب.
إن وُجدت قرينة حينئذٍ: إما الندب وإما الإباحة؛ لأننا عندنا أحكام شرعية، أراد الله تعالى بهذا اللفظ حكمًا شرعيًا، ما هو الحكم الشرعي؟ إما إيجاب، وإما ندبٌ، وإما تحريم، وإما كراهة، وإما إباحة. صيغة افعل لا تحتمل إلا ثلاثة أحكام من هذه المذكورات.