فهرس الكتاب

الصفحة 944 من 1890

يعني: إذا قيل صيغة افعل تدل على الوجوب، إذًا: نفهم من صيغة افعل الوجوب، لكن ما الذي جعل هذا الارتباط بين الدال والمدلول، هل هو من جهة الشرع واللغة لا تدل على ذلك، فحينئذٍ لا نقول: حقيقةٌ في الوجوب لغة، أو أن اللغة تدل على ذلك، أو العقل الذي دل؟ ثلاثة أقوال.

المصنف هنا قدّم أن المعنى شرعي، فيستفاد من صيغة افعل الوجوب من جهة الشرع، حينئذٍ لا يلزم أن صيغة افعل عند التجرد من القرائن في لسان العرب أن تدل على الوجوب، فإذا قال الأب لابنه: اسقني ماءً. لا يدل على الوجوب؛ لأنها لم توضع في لسان العرب للوجوب.

فإن دلّت على الوجوب فمن خارجٍ وهو كون الابن مأمورًا بطاعة أبيه مثلًا، حينئذٍ دلّت على الوجوب اسقني ماءً من خارجٍ لا من ذات الصيغة. هذا الذي عناه المصنف بقوله: (شَرْعًا) يعني: من جهة الشرع.

هو الذي عيّن بأن صيغة افعل تُحمل على الوجوب.

{أَيْ بِاقْتِضَاءِ وَضْعِ الشَّرْعِ. اخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ أَحَدُ الأَقْوَالِ الثَّلاثَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ} .

قال: نحمله على الشرع؛ لأنها في اللغة لمجرد الطلب، ومعلومٌ أن الطلب قد يكون جازمًا وقد يكون غير جازم، والأول هو الإيجاب والثاني هو الندب مثلًا، فحينئذٍ لا نعيّن بأن المعنى المراد في لسان العرب هو الطلب الجازم، وإنما هي لمجرد الطلب.

والجزم المحقَّق للوجوب بأن يترتب العقاب على الترك إنما يُستفاد من جهة الشرع، في أمره أو أمر من أوجب طاعته.

يعني: أن صيغة افعل"صلِّ"من حيث هي تدل على الطلب في لسان العرب، لكن لو ترك هل يترتب العقاب على الترك؟ قالوا: هذا يؤخذ من جهة الشرع، وأما اللغة فلا تدل على ذلك. هذا كلامه.

{وَالثَّانِي -وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ الشَّافِعِيِّ-: أَنَّهُ بِاقْتِضَاءِ وَضْعِ اللُّغَةِ} .

يعني: فُهم من لسان العرب أن صيغة افعل تدل على الوجوب، حينئذٍ جاء الشرع مؤكِّدًا لذلك، ولم يأت الشرع مؤسسًا لهذا المعنى، وإنما جاء مؤكدًا للمعنى اللغوي الذي دل عليه صيغة افعل.

قال: لأن أهل اللغة يحكمون باستحقاق مخالف أمر سيده مثلًا بها للعقاب.

يعني: إذا قال لابنه: اسقني ماءً، فلم يأت بالماء فضربه، هل يوبخه أهل اللغة، هل يلام؟ قالوا: لا يلام.

إذًا: لماذا لا يلام؟ قالوا: لأنه ترك الامتثال، والذي دل على أن ترك الامتثال يوصف صاحبه بكونه عاصيًا فيترتب عليه العقاب هو صيغة: اسقني نفسها، لا نحتاج إلى أمرٍ خارج عن الصيغة، فهي دلّت على الإيجاب وهي دلّت على العقاب عند التخلف.

وجاء الشرع مؤكدًا لهذا المعنى وهو: أن صيغة افعل تدل على شيئين: إيجاب الطلب ثم العقاب على الترك، أما على المعنى الأول فتدل على الإيجاب من جهة الشرع، ومن جهة اللغة تدل على الطلب.

ثم ترتُّب العقاب على الترك هذا اللغة لا تدل عليه، وإنما جاء من جهة الشرع. هذا المعنى الذي ذكره هنا ونسبه للشافعي.

{وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ -وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ- أَنَّهُ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت