فهرس الكتاب

الصفحة 945 من 1890

قالوا: لأنها تفيد لغةً الطلب، -سلَّموا بأنها من جهة اللغة تفيد الطلب-، ويتعين أن يكون للوجوب لأن حمله على الندب يُصَير المعنى افعل إن شئت. وهذا القيد ليس مذكورًا. يعني: الطلب هذا جازم وغير جازم .. مطلق، ثم قيدناه بالوجوب، من أين قيدناه بالوجوب؟ قال: بالعقل. كيف بالعقل؟

قال: لأن الحمل على الندب يجعل اللفظ: افعل إن شئت، والذي يصيّر الأمر بأنه افعل إن شئت لفظٌ مذكورٌ أو مفهومٌ في الذهن، وهنا لم يرد في اللفظ افعل إن شئت.

حينئذٍ نقول: هذا يحتاج إلى تقييد باعتبار الذهن، ولا وجود له. فنحمله على الوجوب.

فالعقل دل على أن صيغة افعل للوجوب؛ لأنها في لسان العرب هي للطلب الجازم وغير الجازم، فلو حملناها على الندب لصار التقدير: افعل إن شئت. وليس عندنا قيدٌ في اللفظ، حملناها على الوجوب، فالعقل هو الذي دل.

والصحيح: أنها تدل على الوجوب لغة وشرعًا. يعني: من الجهتين.

اللغة، وجاء الشرع مؤكدًا لما دلت عليه اللغة، وهذا المعنى صححه غير واحدٍ من الأصوليين، ولذلك قيل: إنه حقيقة في الطلب الجازم من جهة اللسان -يعني: من جهة لسان العرب- فـ: افعل دل على الطلب الجازم، وكون هذا الطلب متوعَّدًا عليه شيءٌ آخر ثابت في أوامر الشرع بدليلٍ من خارجٍ. وحينئذٍ فالوجوب مستفاد بهذا التركيب من الشرع واللغة، وهذا قول أبي إسحاق الإسفراييني وإمام الحرمين، وقالوا: الوعيد لا يستفاد من اللفظ بل هو أمرٌ خارجيٌ عنه والنتيجة واحدة .. النتيجة ما قرره إمام الحرمين صحيحة وهي: أن الذي دل على الوجوب الشرع واللغة.

لكن نقول: اللغة كذلك دلت على العقاب، ولذلك لا يلام من عاقب ابنه إذا أمره، بل حتى السيد مع عبده، لو أمر عبده بأن يصنع شيئًا فلم يفعل فعاقبه لا يُلام من جهة اللغة .. لماذا تعاقبه، أو لماذا تفعل كذا وكذا؟

حينئذٍ نقول: ترتُّب العقاب عند عدم الامتثال مأخوذٌ من جهتين: من جهة الصيغة نفسها، ومن جهة الشرع.

ولذلك مر معنا سابقًا أنه إذا قيل: صلِّ. دل على الإيجاب ودل على ترتب العقاب أيضًا، ولذلك نقول: الواجب -على الاختصار-: ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه. من أين جئنا يعاقب تاركه؟ نقول: من حيث دلالة صيغة افعل لغة وشرعًا، وإلا نحتاج إلى دليلٍ شرعي في كل أمرٍ أن يأتي التصريح بترتب العقاب عند عدم الامتثال.

لو قيل بأن صيغة افعل لا تدل على العقاب ترتبًا على عدم الامتثال، حينئذ نقول: لا نقول بالعقاب عند عدم الامتثال، فنحتاج إلى كل صيغة افعل أن يرِد نصٌ من الشارع، بأنه لو لم يمتثل لترتب عليه العقاب ولا وجود له.

بل سائر النصوص جاءت مطلقة هكذا: صلِّ، آت الزكاة، صم .. إلى آخره.

حينئذٍ نقول: يستفاد من هذه النصوص الإيجاب والوعيد على الترك، والذي دل على ذلك هو اللغة والشرع، ولا إشكال في ذلك.

قال هنا: (الْأَمْرُ مُجَرَّدًا) يعني: حال كونه (مُجَرَّدًا عَنْ قَرِينَةٍ) لأن الأمر قد تقترن به قرينة تدل على الوجوب، وقد تقترن به قرينة تدل على عدم الوجوب. فالأحوال ثلاثة:

لو قال له: صلِّ وإلا قتلتك، صلِّ إن شئت، صلِّ. ثلاثة أحوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت