صلِّ وإلا قتلتك بإجماع الأصوليين المتأخرين على أنها للوجوب .. لا خلاف؛ لأنه نص على العقاب: وإلا لقتلتك، دل على أن صلِّ للوجوب؛ لترتيب العقاب على الترك. إذًا: هذه محل وفاق.
"صلِّ إن شئت"محل إجماع على أنها للندب؛ لوجود القرينة: إن شئت. .
إذًا: بإجماع هي ليست واجبة.
صلِّ. هذا مجردًا، هذه حقيقة الأمر المجرد، مجرد عن ماذا؟ بعضهم يظن مجرد عن قرينة صارفة للندب، لا. مجرد عن قرينة تدل على الإيجاب أو قرينة تدل على الندب.
فالتجرد ليس دائمًا عن قرينة تدل على أنه مندوب، وإنما عن قرينة تدل على أنه واجب أو قرينة تدل على أنه مندوب.
ولذلك لو جاء في النص صيغة افعل ورتب عليه عقاب، لا يقال بأن هذه مختلفٌ فيها وتحتمل الإيجاب وتحتمل الندب؛ لأنه متفق عليه، لأنها اقترنت بها قرينة تدل على الإيجاب. فـ: افعل من القرائن ما يدل على أنها واجبة، ومن القرائن ما يدل على أنها مندوبة وليست على الإيجاب.
وحينئذٍ إذا جاءت مطلقة عن النوعين جاء الخلاف عند المتأخرين، هل تدل على الإيجاب، أو محمولة على الندب، أو الإباحة، أو قدرٌ مشترك؟ على الخلاف الشائع عند الأصوليين.
والصواب كما قلنا بأنها تدل على الوجوب بإجماع الصحابة، حكى الإجماع غير واحد، ابن قدامة رحمه الله تعالى في الروضة حكى الخلاف وردَّ على الأقاويل الأخيرة واستدل على الوجوب بإجماع الصحابة.
وأنا لا أزال أتعجب من هذا الصنيع من أهل العلم؛ بأنهم يوردون الخلاف ثم يردُّون على المخالفين ثم يحكون الإجماع، والمخالف هنا ليس الصحابة أو الأئمة، المخالف المتأخرون.
قال: {وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ} يعني: القول بالوجوب، ما الأدلة على أنها للوجوب من جهة الشرع؟
من جهة المعنى اللغوي واضح وهو ترتيب العقاب على عدم الامتثال، وسنذكره كذلك.
قال: قوله تعالى: (( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) [النور:63] التحذير من الفتنة والعذاب الأليم في مخالفة الأمر يدل على أنه واجبٌ. هذا المراد بالأمر هنا.
وَبِقوله تعالى: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا ) )هذا أمرٌ، قال: (( لا يَرْكَعُونَ ) )هذا ذم. ذم على ماذا؟ على ترك امتثال الأمر بالركوع، وهو دليل الوجوب.
قال القرافي: والذم لا يكون إلا في ترك واجب أو فعل محرم، فكلما جاء الذم في عدم امتثال صيغة الأمر حينئذٍ يدل على أنه واجب؛ لأن الذم لا يكون إلا في مقابلة الواجب.
ولذلك مر معنا في حد الواجب: ما ذُمَّ تاركه شرعًا مطلقًا .. كما مر، والذم لا يكون إلا في ترك واجبٍ أو فعل محرم.
{وَذَمَّ إبْلِيسَ كذلك عَلَى مُخَالَفَةِ الأَمْرِ الْمُجَرَّدِ} . إبليس لما أمره الله تعالى قال: (( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) ) [الأعراف:12] ، (( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) ) [البقرة:34] ومن ضمنهم إبليس.