فهرس الكتاب

الصفحة 947 من 1890

قال: (( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) ) [الأعراف:12] دل قوله: أَمَرْتُكَ على أن اسْجُدُوا هو مسمى الأمر، على القاعدة السابقة، ثم ذمه على عدم الامتثال, لو لم تكن واجبة لقال: لم يجب عليَّ .. لو لم يكن مدلول اسْجُدُوا هو الوجوب لقال: لم يجب عليَّ، كما قال: هي للندب، أو للإباحة، أو قدر مشترك. وما قال ذلك، فدل على أنه يُفهم من: اسْجُدُوا الوجوب.

قال هنا: {وَذَمَّ إبْلِيسَ كذلك عَلَى مُخَالَفَةِ الأَمْرِ الْمُجَرَّدِ} .

كذلك يقال قوله تعالى: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا ) ) [الأحزاب:36] أَمْرًا هذا نكرة في سياق الشرط.

(( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا ) )هذه شرطية.

(( إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) ) [الأحزاب:36] هذا نفَى الخيرة، دل على أن الأمر المراد به الإيجاب؛ لأنه هو الذي لا خيار فيه البتة.

فجَعل أمر الله ورسوله مانعًا من الاختيار، وذلك دليل الوجوب، والآية السابقة التي ذكرناها في إبليس: (( مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) ) [الأعراف:12] ذمه على مخالفة الأمر وهو دليلُ الوجوب.

كذلك قال: (( أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) ) [طه:93] سمى الترك معصية، دليلٌ على أن مخالفة الأمر معصية، وذلك دليل الوجوب، وقوله: (( لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ) ) [التحريم:6] إذًا: عدم امتثال الأمر يسمى معصية.

ويقال كذلك: أمرتُكَ فعصيتني، والمعصية هذه موجبة للعقوبة (( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ) ) [الأحزاب:36] .

إذًا: أطلق على اسجدوا أمرًا، وسمى المخالفة معصية، والمعصية موجبة للعقوبة. دل على أن الأمر للإيجاب، وهذا واضح جدًا، لا يمتري فيه اثنان البتة.

ومن السنة: ما روى البراء ابن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، فردوا عليه القول -هكذا جاء في السنة-: فغضب ثم انطلق حتى دخل على عائشة غضبانًا فقالت رضي الله تعالى عنها: . كذا أورده ابن قدامة في الروضة.

فعلَّل صلى الله عليه وسلم غضبه بأنه يأمر فلا يُتبع، والغضب إنما يكون عند ترك واجب لا عند ترك مندوب، وإنما يغضب النبي صلى الله عليه وسلم عندما تُترك الواجبات لا عندما يُترك المندوب. فعلل صلى الله عليه وسلم غضبه بتركهم اتباع أمره، ولولا أن أمره صلى الله عليه وسلم للوجوب لما غضب من تركه.

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: والندب غير شاق، فدل على أن أمره اقتضى الوجوب.

قال ابن قدامة: ومن الأدلة إجماع الصحابة، فإنهم أجمعوا على وجوب طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وامتثال أوامره من غير سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عما عنى بأوامره.

يأمرهم بالأمر فيمتثلون، هم يعلمون أن الطاعة واجبة، ولا يأتي السؤال: هل أمرُك أمر إيجاب أو أمر ندبٍ؟ فحملوا حينئذٍ الأوامر على أصلها وهي الوجوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت