قال: وأوجبوا أخذ الجزية من المجوس بقوله صلى الله عليه وسلم: .
وكذلك: غسلُ الإناء سبعًا من الولوغ بقوله: أخذه من مطلق الأمر، والصلاة عند ذكرها بقوله: فليُصَلها إذا ذكرها>>.
واستدل أبو بكرٍ على إيجاب الزكاة بقوله: وآتوا الزكاة. في قضايا لا تحصى ولا تُعد، أنهم كانوا يستدلون على الوجوب بل ينكرون على من ترك الامتثال بمجرد الأوامر دون استفصال: هل المراد بها أنها صيغ إيجاب أو أن المراد بها الندب.
قال: و {لأَنَّ السَّيِّدَ لا يُلامُ عَلَى عِقَابِ عَبْدِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ مُجَرَّدِ أَمْرِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلاءِ} يعني: عن اللسان، وهذا لا خلاف فيه.
ولذلك أخذنا من هنا أنها من جهة اللغة تدل على الوجوب، فجاء الشرع مؤكدًا على ذلك. حينئذٍ لها حقيقة شرعية.
{وَدَعْوَى قَرِينَةِ الْوُجُوبِ وَاقْتِضَاءِ تِلْكَ اللُّغَةِ لُغَةً لَهُ دُونَ هَذِهِ: غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ} .
هذا اعتراض.
{وَقِيلَ: إنَّ الأَمْرَ الْمُجَرَّدَ عَنْ قَرِينَةٍ حَقِيقَةٌ فِي النَّدْبِ} .
إذًا: هذا القول السابق الذي قدمه المصنف رحمه الله تعالى هو المرجَّح، وقلنا هذا محل إجماعٍ بين السلف: أن صيغة افعل عند التجرد عن القرينة الدالة على الوجوب أو القرينة الدالة على الندب إنما هي محمولة على الوجوب، والأدلة الشرعية السابقة واضحة بيّنة.
لكن ثَم أقوال مشهورة عند أهل العلم وهي ثلاثة أقوال، لعل المصنف هنا ذكرها رحمه الله تعالى.
{وَقِيلَ: إِنَّ الأَمْرَ الْمُجَرَّدَ عَنْ قَرِينَةٍ حَقِيقَةٍ فِي النَّدْبِ} .
وهذا غريب باعتبار ما سبق؛ لأنه اجتهادٌ في مقابلة النص، ليس له إلا قضية الاستنباط فقط والاجتهاد، وأما النصوص السابقة دلت على الإيجاب، فحينئذٍ من قال بأنه للندب نقول: اجتهادٌ في مقابلة النص فهو فاسد الاعتبار.
من قال بأنه قدرٌ مشترك قلنا: هذا اجتهادٌ في مقابلة النص والإجماع، فهو فاسد الاعتبار.
كذلك من قال للإباحة.
إذًا: كل قولٍ يقال بغير الإيجاب نقول: هذا اجتهادٌ في مقابلة النصوص، ثم النصوص السابقة يُنبَّه إلى أنها نصوصٌ عامة، دلت على أن صيغة افعل للإيجاب دون تفصيل، ما كان في العبادات، ما كان في المعاملات، ما كان في الأمور الدينية، ما كان في الأمور الدنيوية .. لم يفصِّل بينها، ومحمولة كلها على الإيجاب.
فمن ادعى بأن صيغة افعل في باب الأدب تُحمل على الندب، نقول: هذا تخصيصٌ للنصوص السابقة، ومر معنا أنها عامة تحتاج إلى مخصِّص ولا مخصص.
قال هنا: إِنَّ الأَمْرَ الْمُجَرَّدَ عَنْ قَرِينَةٍ حَقِيقَةٍ فِي النَّدْبِ.
وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ وَالآمِدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ. وَنَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَسْرِهَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْهَلُ مِمَّا نَهَى عَنْهُ.
فأخذ بعضهم أن أمر الله تعالى للوجوب، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم للندب. يعني: فرقوا بينهما.