{فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الأَصْحَابِ: لَعَلَّهُ لأَنَّ الْجَمَاعَةَ قَالُوا: الأَمْرُ لِلنَّدْبِ، وَلا تَكْرَارَ. وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَالدَّوَامِ، لِئَلاَّ يُخَالِفَ نُصُوصَهُ} هذا حملٌ فاسد.
وَأَمَّا أَبُو الْخَطَّابِ: فَإِنَّهُ أَخَذَ مِنْ النَّصِّ أَنَّهُ لِلنَّدَبِ.
وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ هذا المهم هنا.
إذًا: القول السابق .. المراد افعل للندب، ما الدليل؟
قال: {أَنَّا نَحْمِلُ الأَمْرَ الْمُطْلَقَ عَلَى مُطْلَقِ الرُّجْحَانِ} هذا تعليل، ليس فيه قال الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم أو عمل الصحابة، وإنما هو تعليل واجتهاد.
{نَحْمِلُ الأَمْرَ الْمُطْلَقَ} .. يعني: غير المقيد .. افعل.
{عَلَى مُطْلَقِ الرُّجْحَانِ} يعني: رجحان الفعل وجواز الترك، يجوز ويجوز، كما نقول: الاقتضاء يدل على ماذا؟ مطلق الاقتضاء، دخل فيه الجازم وغير الجازم.
إذًا: كأنه يقول: نحمل صيغة افعل على مطلق الاقتضاء، ومطلق الاقتضاء يدخل فيه الجازم وغير الجازم.
{وَنَفْيًا لِلْعِقَابِ بِالاِسْتِصْحَابِ} الأصل عدم العقوبة.
إذًا: أدنى مرتبتي مطلق الاقتضاء: الندب، فإن قيل العقاب قال: هذا مأخوذٌ من الشرع لا من اللغة، والأصل عدم العقاب.
قال: {وَنَفْيًا لِلْعِقَابِ بِالاِسْتِصْحَابِ} يعني: ننفي العقاب بالاستصحاب.
{وَلأَنَّهُ الْيَقِينُ} يعني: من قسمي الطلب وهو أقل درجة.
{وَلأَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً} وهذا كما رأيت .. هذا اجتهادٌ في مقابلة النصوص السابقة، ويُردُّ بأننا نقول: جاءت الأدلة دالة على أن صيغة افعل عند التجرد عن القرينة محمولة على الإيجاب.
وأنه متى ما خالف حينئذٍ ترتَّب العقاب، وما ذكرتموه باطل؛ لأنكم جوزتم احتمال اليقين أو أنه يُحمل على اليقين عند تجويز الأمرين بصيغة افعل، ولم يأت الشرع بذلك ولا باللغة، وهو تجويز عقلي.
{وَقِيلَ: إنَّ الأَمْرَ الْمُجَرَّدَ عَنْ قَرِينَةٍ حَقِيقَةٍ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ} . يعني: الطلب.
والقدر المشترك أمرٌ عقلي، يعني: صيغة افعل يُتصور فيها أمران: أنها إيجاب وأنها ندبٌ.
ما القدر المشترك بينهما؟ كلٌ منهما طلبٌ.
أين هذا الطلب؟ في الذهن .. لا وجود له في الخارج.
{فَيَكُونُ مِنْ الْمُتَوَاطِئِ} كلي الذي وجوده وجودٌ ذهني.
حينئذٍ يُحمل على الإيجاب بقرينة، وعلى الندب بقرينة. لو جاء في الشرع: صلِّ، أصحاب هذا القول ماذا يصنعون؟ يتوقفون حتى يرد دليل أن المراد بصلِّ الإيجاب، أو المراد به الندب. وهذا قولٌ باطل. {اخْتَارَهُ الْمَاتُرِيدِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ} .
قال هنا:
وَفِي الْمَسْأَلَةِ اثْنَا عَشَرَ قَوْلًا غَيْرَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ أَضْرَبْنَا عَنْ ذِكْرِهَا خَشْيَةَ الإِطَالَةِ.
وَذَكَرَ فِي الْقَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ قَوْلًا لسنا بحاجة إليها البتة، وإنما هي أقاويل أكثرها استدلالاتها عقلية.
ثم انتقل إلى مسألة مهمة تتعلق بباب الأمر، وهي مطلق الأمر السابق: هل يقتضي التَّكرار أو لا يقتضي التَّكرار؟