ومعناه: أن صيغة افعل مثلًا تقتضي إيجاد القعود، فهل يستلزم النهي عن القيام من حيث هي مقتضية لإيجاد القعود أم لا؟ نعم مستلزمة، لكن لا باعتبار اللفظ ولا باعتبار المعنى، وإنا لشيءٍ خارجٍ عن اللفظ والمعنى.
قال: (وَكَذَا الْعَكْسُ) .
قبل ذلك قال: {والمراد بالضد هنا الوجودي} هذا ليته ذكره في المتن.
{وذلك لأنه هو من لوازم الشيء المأمور به} .
قال: (وَكَذَا الْعَكْسُ) يعني: أن النهي عن الشيء المعين أمر بضده.
(وَكَذَا الْعَكْسُ) بناء على أن المطلوب في النهي فعل الضد. يعني: أن النهي -نهي تحريم أو كراهة- عن شيءٍ يكون أمرًا إيجابًا أو ندبًا بضده على الخلاف السابق.
ثم قال: {إنه قد يكون للمأمور ضد واحد} يعني: ما قيل هناك يقال هنا.
{قد يكون للمأمور ضد واحد كالأمر بالإيمان فإنه نهي عن الكفر} نقيضان: آمِن هذا نهيٌ عن الكفر. يستلزمه؟ يستلزمه.
{وقد يكون للمنهي عنه ضد واحد، كالنهي عن صوم يوم العيد، فإنه أمرٌ بفطره} الصوم والفطر متقابلان. إذا نهى عن الصوم أمر بالفطر.
إذًا: نهى عن صوم يوم العيد، يقتضي من جهة المعنى الأمر بفطره.
{وقد يكون لكل منهما أضداد، وهو المشار إليه بقوله} (وَلَوْ تَعَدَّدَ الضِّدُّ) .
يعني: الأمر يستلزم النهي عن ضده، ولو كان له أضداد.
{وذلك كالأمر بالقيام} صلِّ قائمًا، نقيض القيام: القعود والاضطجاع، إذًا: له ضدان.
إذًا: صلِّ قائمًا هذا نهيٌ عن القعود في الصلاة مع القدرة، ونهي عن الاضطجاع في الصلاة، هل نأخذه من اللفظ؟ نقول: لا. اللفظ لا يدل عليه، لكن لما أمر بالصلاة قيامًا يستلزم من جهة العقل والمعنى أنه لا يتم امتثال المأمور به إلا بترك نقيضه، والنقيض هنا متعدد وهو القعود والاضطجاع ونحو ذلك.
{وذلك كالأمر بالقيام فإن له أضدادًا من قعود وركوع وسجود واضطجاع} .
هذه كلها منهيٌ عنها بمجرد الأمر بالقيام في الصلاة، وإن كانت أضدادًا.
{ووجه ذلك: أن أمر الإيجاب طلبُ فعلٍ يُذَمُّ تاركُه إجماعًا، ولاَ ذمَّ إلا على فعل} -كما مر- {وهو الكفُّ عن المأمور به، أو الضدِّ} الكف عن الضد ليتحقق لك إيجاد المأمور به.
{فيستلزمُ النهيَ عن ضده، أو النهي عن الكف عنه} .
ثم قال: (وَنَدْبٌ كَإِيجَابٍ) نحن أدخلناه في القاعدة السابقة لكنه نص عليه.
قلنا فيما مضى: (وَكَذَا الْعَكْسُ) النهيَ تحريمًا أو كراهة، يكون أمرًا قلنا إيجابًا أو ندبًا، هذا الذي أراد.
(وَنَدْبٌ كَإِيجَابٍ) {يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ أَمْرِ النَّدْبِ حُكْمُ أَمْرِ الإِيجَابِ الْمُتَقَدِّمِ عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ، إنْ قِيلَ: إنَّ النَّدْبَ مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً} وهو كذلك.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَأَمْرُ النَّدْبِ كَالإِيجَابِ عِنْدَ الْجَمِيعِ إنْ قِيلَ مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَالْأَمْرُ بَعْدَ حَظْرٍ، أَوْ اسْتِئْذَانٍ، أَوْ بِمَاهِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ بَعْدَ سُؤَالِ تَعْلِيمٍ) يكون ماذا؟
قال: (لِلْإِبَاحَةِ) .