وهذه مسألة وقع نزاع فيها في الصور الثلاث. معلومٌ أن صيغة افعل محمولة على الإيجاب أو الوجوب، متى تخرج عن الوجوب؟ بقرينة.
هل هذه المذكورات تعتبر قرائن صارفة للأمر عن الإيجاب إلى غيره أو لا؟ هذا محل النزاع.
(الْأَمْرُ بَعْدَ حَظْرٍ) جاء المنع ثم جاء الأمر، هل صيغة افعل حينئذٍ نقول: هي على بابها للإيجاب أو نجعل الحظر السابق قرينة للصرف؟ قولان، وكذلك الشأن فيما يأتي. هذا محل النزاع.
(وَالْأَمْرُ بَعْدَ حَظْرٍ) قال: (لِلْإِبَاحَةِ) .
(وَالْأَمْرُ بَعْدَ اسْتِئْذَانٍ) قال: (لِلْإِبَاحَةِ) .
(وَالْأَمْرُ بِمَاهِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ بَعْدَ سُؤَالِ تَعْلِيمٍ) قال: (لِلْإِبَاحَةِ) .
في هذه الصور الثلاث.
قال: لِلإِبَاحَةِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلاثِ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِنَّ.
وَالإِبَاحَةُ فِي الأُوْلَى، وَهِيَ الأَمْرُ بَعْدَ الْحَظْرِ: حَقِيقَةً لِتَبَادُرِهَا إلَى الذِّهْنِ فِي ذَلِكَ، لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ لَهُ فِيهَا حِينَئِذٍ، وَالتَّبَادُرُ عَلامَةُ الْحَقِيقَةِ.
لكن أراد المصنف هنا (لِلْإِبَاحَةِ) هي حكمٌ شرعي، لكن جَعَل لها عرفًا شرعيًا. يعني: لها معنى شرعي أو حقيقة شرعية، فكل ما جاء الأمر بعد الحظر فهو للإباحة.
والمراد هنا بالإباحة الإباحة الشرعية، ليست مطلق الإباحة التي تشمل العقلية.
قال: {حَقِيقَةٌ لِتَبَادُرِهَا إلَى الذِّهْنِ فِي ذَلِكَ} لماذا جاء التبادر من أين .. مع كون الأصل هو الإيجاب؟
قال: {لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ لَهُ فِيهَا حِينَئِذٍ} يعني: غلبة استعمال الشارع {لَهُ} لصيغة افعل {فِيهَا} يعني: في الإباحة {حِينَئِذٍ} يعني: حينئذْ وردت صيغة افعل بعد الحظر. فجعَل للشارع حقيقة شرعية، وهي: أن صيغة افعل تخالف ما سبق فيما إذا أطلقت، وهي أنها إذا جاءت بعد الحظر حينئذٍ تُحمل على الإباحة.
لماذا خالفْتَ الأصل وهو الإيجاب؟ قال: حقيقة شرعية، أُخذت من استقراء نصوص الشرع، وهو أنه كلما جاء صيغة افعل بعد الحظر حُملت على الإباحة وسيأتي في الأمثلة.
{وَالتَّبَادُرُ عَلامَةُ الْحَقِيقَةِ} يعني: الذي يتبادر إلى الذهن.
{وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ} يعني: النهي السابق على افعل دل على التحريم.
{فَوُرُودُ الأَمْرِ بَعْدَهُ يَكُونُ لِرَفْعِ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ} وعكس التحريم: الإباحة.
{فَالْوُجُوبُ أَوْ النَّدْبُ زِيَادَةٌ لا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ} .
يعني: جاء الحظر"صيغة لا تفعل".. دلت على التحريم، لما جاء افعل حينئذٍ نقول: لا يمكن حمل افعل على الوجوب، ولا يمكن حمل الندب على الوجوب؛ لأنه يحتاج إلى قرينة، وحمل افعل على الوجوب عند التجرد لا عند ورودها بعد حظر.
ولذلك قال: {فَالْوُجُوبُ أَوْ النَّدْبُ} بعد الحظر في صيغة افعل {زِيَادَةٌ لا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ} ولا دليل، وإنما يُرفع الشيء الذي هو المنع -التحريم هو المنع-، حينئذٍ جاء مطلق الإذن.