مطلق الإذن أوسع من الوجوب -يعني: أعم-، وأوسع من الندب، حينئذٍ ثبت الأعم وثبوت الأعم لا يستلزم ثبوت الأخص، نحتاج إلى دليل يدل على أنه واجب أو مندوب، والأصل أن نحمله على الإباحة وهو مطلق الإذن.
قال: {وَمِنْ ذَلِكَ} يعني: مما جاء الاستقراء في نصوص الشرع بورود صيغة افعل بعد الحظر ويراد بها الإباحة وهو ما عبَّر عنه بأنه حقيقة شرعية أو غلبة الاستعمال في الشارع قَوْله تَعَالَى: (( وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ) )جاء المنع من الاصطياد، والأصل في الاصطياد الإباحة، جاء المنع للمحرم .. التحريم، ثم قال: (( وَإِذَا حَلَلْتُمْ ) )يعني: انتهيتم من العمرة أو الحج، قال: (( فَاصْطَادُوا ) )هل يجب عليه أن يصيد؟ يُندب؟ لا يقال، إذًا: للإباحة، وهذا محل وفاق للإباحة (( فَاصْطَادُوا ) ).
(( فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ ) )منَع البيع وجميع العقود، إذًا صيغة لا تفعل، ثم قال: (( فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا ) )الانتشار واجب؟ ليس بواجب، مندوب؟ ليس بمندوب. وقد قيل، لكن المراد هنا فأفاد الإباحة.
(( فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ ) )مُنِع وقت الحيض، ثم: إِذَا تَطَهَّرْنَ يعني: اغتسلن، فَأْتُوهُنَّ، واجب؟ ليس بواجب. وقد قيل به.
(( فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ ) )إذًا: هذه كلها نصوص تدل على أن صيغة افعل بعد الحظر تدل على الإباحة ولا تُحمل على الوجوب ولا الندب لعدم دليل .. لأنه زيادة.
{وَمِنْ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: } .
وهذا للإباحة وليس للوجوب ولا للندب جاءت صريح هنا: منعتكم .. حرمت عليكم الادخار، قال: جاءت صيغة افعل بعد الحظر.
قال: {وَالأَصْلُ عَدَمُ دَلِيلٍ سِوَى الْحَظْرِ} .
يعني: لم تُعلم إباحة ما سبق بدليل خارج؛ لأن بعضهم قال: الإباحة جاءت في هذه النصوص بدليلٍ خارج لا لكونه وقع بعد حظرٍ.
قال: لا. الأصل عدم دليلٍ خارجٍ عن سوى الحظر، فالحظر هو القرينة الصارفة.
فإن قيل الإجماع قيل: هذه محمولة على الإباحة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وليس ثَم إجماع.
قال: {وَالإِجْمَاعُ حَادِثٌ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} .
هذا كله ردٌ على أقوال المخالفين.
{وَكَقَوْلِهِ لِعَبْدِهِ: لاَ تَأْكُلْ هَذَا. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: كُلْهُ} .
لاَ تَأْكُلْ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: كل هذا. للإباحة أو لا؟ للإباحة، هذا من مقتضى اللغة. يعني: في العرف كذلك. قول السيد لعبده: {لاَ تَأْكُلْ هَذَا. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: كُلْهُ} . نقول: هذا أباح له الأكل.
هذا القول الأول: أنه بعد الحظر للإباحة.
{وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى} بل أكثر الفقهاء والمتكلمين {وَأَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَالْفَخْرُ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ، وَصَدْرُ الشَّرِيعَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ كَالأَمْرِ ابْتِدَاءً} .
يعني: كأنه لم يرد حظرٌ، وصيغة افعل إذا لم يرد حظرٌ تُحمل على الوجوب.