إذًا: افعل بعد الحظر للوجوب، الحظر وجوده وعدمه سواء، فلا يُعتبر قرينة صارفة للأمر من الإيجاب إلى الإباحة، بل باقٍ على أصله.
فحينئذٍ تفيد ما كانت تفيد لولا الحظر. لماذا؟ قالوا: لعموم الأدلة، الأدلة السابقة دلت على أن أمر الباري وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم -صيغة افعل ونحوها- تدل على الوجوب، هل جاء التفصيل؟ الجواب: لا. لم يرد تفصيل، فدل ذلك على العموم.
قال هنا: {إِلَى أَنَّهُ كَالأَمْرِ ابْتِدَاءً} يعني: كالتي لم يتقدمها حظر، وسبق أنها للوجوب عند التجرد من القرائن.
القول الثاني: {وَاسْتُدِلَّ لِلْوُجُوبِ بِقوله تعالى: (( فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) )} .
اقتلوا هنا للوجوب، جاء المنع من أجل الأشهر الحرم، ثم قال: (( فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا ) )قالوا: هذا دل على الوجوب.
قالوا: {وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالإِبَاحَةِ: أَنَّ الْمُتَبَادِرَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَفِي الآيَةِ إِنَّمَا عُلِمَ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ} .
يعني: الآيات الأخرى: (( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) )، (( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ) [النساء:84] ، (( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) ) [التوبة:29] .. أدلة أخرى دلت على الوجوب وليس من هذا النص.
إذًا: عكس ما أورده أرباب الوجوب على الإباحة، قالوا: الإباحة هناك عُلمت بدليل خارجي، قالوا: لا. ليس عندنا دليل خارجي وإنما هو الحظر، وليس عندنا إجماع.
لما ادعى أرباب القول بالوجوب بهذه الآية قيل: الوجوب معلوم من دليلٍ خارجي، وأثبتوا ذلك بالأدلة، هذا القول الثاني.
القول الثالث: وَذَهَبَ أَبُو الْمَعَالِي وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ وَالآمِدِيُّ إلَى الْوَقْفِ فِي الإِبَاحَةِ وَالْوُجُوبِ. لِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ.
وَقِيلَ: لِلنَّدَبِ. وَأَسْنَدَ صَاحِبُ التَّلْوِيحِ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ الإِنْسَانَ إذَا انْصَرَفَ مِنْ الْجُمُعَةِ نُدِبَ لَهُ أَنْ يُسَاوِمَ شَيْئًا، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِهِ.
يعني: حمل (( فَانْتَشِرُوا ) )على الندب. فأخذوا من ذلك أن سعيد بن جبير يرى أن افعل بعد الحظر تدل على الندب.
القول الخامس: {وَذَهَبَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله تعالى وَجَمْعٌ إلَى أَنَّهُ لِرَفْعِ الْحَظْرِ السَّابِقِ وَإِعَادَةِ حَالِ الْفِعْلِ إلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْحَظْرِ} وهذا هو الصحيح.
أن صيغة افعل بعد الحظر تدل على رد الأمر إلى الحال التي كانت قبل الحظر، ما حاله؟ مُنع ثم جاء صيغة افعل.
كان الصيد مباحًا .. للحلال، ثم مُنع لأجل الإحرام، ثم قال: (( فَاصْطَادُوا ) )نقول: اصطادوا رَفعت الحظر، ثم رجع الحكم كسابقه: إن كان واجبًا فهو واجب، وإن كان جائزًا فهو جائز، وإن كان مندوبًا فهو مندوب. وهذا هو الظاهر والله أعلم.
{لِرَفْعِ الْحَظْرِ السَّابِقِ وَإِعَادَةِ حَالِ الْفِعْلِ إلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْحَظْرِ} فإن كان قبله جائزًا رجع إلى الجواز، وإن كان قبله واجبًا رجع إلى الوجوب، هذه كذلك ذكرها ابن كثير رحمه الله تعالى قال: فاصطادوا أو فانتشروا. أحد الموضعين.