{قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ قوله تعالى: (( فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) )} .
فقتل المشركين كان واجب لا بدليلٍ خارجي، وإنما كان واجبًا ثم مُنع لأجل دخول الأشهر الحرم، ثم أُمر به عند انسلاخها. فيرجع حينئذٍ لما كان عليه قبل التحريم، والصيد كان مباحًا ثم مُنع للإحرام، ثم عند إزالة الإحرام رجع إلى ما كان عليه قبل التحريم.
وكذلك الشأن في منع البيع، الأصل فيه الإباحة، ثم مُنع لأجل النداء الثاني.
فحينئذٍ نقول: إذا انتهت الصلاة فانتشروا، رجع إلى ما كان عليه قبل ذلك: النكاح، والبيع وسائر العقود.
{قَالَ الْكُورَانِيُّ: هَذَا الْخِلافُ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْقَرِينَةِ، وَأَمَّا مَعَ وُجُودِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ} وهو كذلك.
يعني: إن وُجدت قرينة تدل على شيءٍ ما فهي مقدمة، سواء كانت قرينة لفظية أو حالية، وإذا لم يكن ثَم قرينة جاء الخلاف.
إذًا: الأمر بعد الحظر على ما قدمه المصنف على أنه المذهب يفيد الإباحة.
دليله: أنه باستقراء الشرع دل على أن له عرفًا وجعلًا لهذه الحقيقة وهي: افعل بعد الحظر يعني: مركبة، أنها تدل على الإباحة، والصواب هو ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
{وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ كَوْنُ الأَمْرِ بَعْدَ الاسْتِئْذَانِ لِلإِبَاحَةِ} .
فهل الاستئذان يُجعل قرينة صارفة أم لا؟
{قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ. وَحَكَاهُ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ عَنْ الأَصْحَابِ. وَقَالَ: لاَ فَرْقَ بَيْنَ الأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ وَبَيْنَ الأَمْرِ بَعْدَ الاِسْتِئْذَانِ} فهي للإباحة.
يعني لو قال: أأفعل كذا؟ قال له: افعل. جاء السؤال: أأفعل كذا؟ قال: افعل.
افعل هل هي على أصلها أنها تفيد الوجوب، أم نجعل كونه وقع استئذانًا أو سؤالًا -متقاربان- نجعله قرينة صارفة؟
قال: لأنه لو كان للإيجاب -وخاصة في الشرعيات- لمَا انتظر النبي صلى الله عليه وسلم حتى يُسأل، لابتدأ ابتداء على أنه مبينًا للحكم الشرعي وأتى بما يدل على الإيجاب.
{قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ: إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الأَمْرَ الْمُجَرَّدَ لِلْوُجُوبِ، فَوُجِدَ أَمْرٌ بَعْدَ اسْتِئْذَانٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، بَلِ الإِبَاحَةَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي مَحِلَّ وِفَاقٍ. قُلْت: وَكَذَا ابْنُ عَقِيلٍ} .
ليس محل وفاق، إن كان عنى به المذهب فيمكن، وأما غيره فلا.
{ثُمَّ قَالَ: وَإِطْلاقُ جَمَاعَةٍ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ} . وقع النزاع.
وَإِطْلاقُ جَمَاعَةٍ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، مِنْهُمْ الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُولِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ وَالاِسْتِئْذَانِ: الْحُكْمُ فِيهِمَا وَاحِدٌ.
وَاخْتَارَ أَنَّ الأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْوُجُوبِ. فَكَذَا بَعْدَ الاِسْتِئْذَانِ عِنْدَهُ.
حينئذٍ محل الخلاف: هل الاستئذان أو السؤال يُعتبر قرينة صارفة أو لا؟