ولذلك حمّلنا الوكيل النقصَ، لو كان يرجع إلى الأصل لما حملنا الوكيل النقص. حينئذٍ لا يدل الأعم على الأخص.
يعني: إثبات الأعم لا يستلزم إثبات الأخص، فإذا قال له: بعه. لا يظن الظان بأنه أراد البيع بغبن، فإن انصرف إليه حينئذٍ نقول: هذا الذي يترتب عليه الضمان.
قال: {وَهِيَ الدَّالُ عَلَى الأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الأَخَصِّ، فَإِذَا قُلْنَا جِسْمٌ لاَ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ نَامٍ. وَإِذَا قُلْنَا نَامٍ لاَ يُفْهَمُ أَنَّهُ حَيَوَانٌ} .
يعني: جسم هذا أعم من النامي، وإذا قلنا: نامٍ فهذا يشمل النبات والحيوان، لا يُفهم منه أنه حيوان.
{وَإِذَا قُلْنَا حَيَوَانٌ لاَ يُفْهَمُ أَنَّهُ إنْسَانٌ، وَإِذَا قُلْنَا إنْسَانٌ لاَ يُفْهَمُ أَنَّهُ زَيْدٌ} .
وهذه قاعدة دائمًا نكررها .. أربع قواعد هنا:
إثبات الأعم لا يستلزم إثبات الأخص. إذا قلنا: هذا إنسان لا يلزم أنه زيد.
وإثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم، إذا قلنا: هذا زيد معناه إنسان، هذا إنسان معناه حيوان .. وهكذا.
نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، إذا قلت: هذا ليس بإنسان، معناه لا يكون زيدًا ولا عمروًا ولا خالدًا .. نفيت الإنسانية.
نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. إذا قلت: هذا ليس بزيد .. نفيت الأخص، هل يستلزم أنه ليس بإنسان؟ لا.
إذًا: هذه قواعد أربعة مهمة.
قال: {فَإِنَّ قُلْنَا: إنَّ الْكُلِّيَّ قَدْ يُحْصَرُ نَوْعُهُ فِي شَخْصِهِ} يعني: كليٌ ليس له إلا فردٌ واحد.
الكلي: ما شاع أو له مفهومٌ يصدق على متعددِين مختلفِين في الحقيقة.
قال هنا: {قَدْ يُحْصَرُ نَوْعُهُ فِي شَخْصِهِ} يعني: في فرده.
مثّل لذلك: {انْحِصَارِ الشَّمْسِ فِي فَرْدٍ مِنْهَا} لماذا؟ لكونه لا يوجد غير هذا الفرد في الخارج، وإلا العقل لا يمنع؛ لأن الشمس وُضع لما كان كوكبًا نهاريًا إذا ظهر أضاء الدنيا، وإذا غاب تأثرت. فحينئذٍ نقول: هذا المعنى ممكن يكون ثَم شمسٌ .. شمسان وشموس .. إلى ما لا نهاية، لكن في الواقع ليس له إلا شمسٌ واحدة.
وَكَذَلِكَ الْقَمَرُ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مُلُوكِ الأَقَالِيمِ وَقُضَاةِ الأُصُولِ تَنْحَصِرُ أَنْوَاعُهُمْ فِي أَشْخَاصِهِمْ.
فَإِذَا قُلْتَ: صَاحِبُ مِصْرٍ إنَّمَا يَنْصَرِفُ الذِّهْنُ إلَى الْمَلِكِ الْحَاضِرِ فِي وَقْتِ الصِّيغَةِ.
"ملك البلد"هذا لفظٌ عام يشمل جميع من مضى ومن يأتي؟ نقول: لا. وإنما أراد به الموجود فهو الفرد، حينئذٍ اللفظ كلي وهو شائع، لكنه انحصر في الفرد الخارج
قال: {فَيَكُونُ الأَمْرُ بِتِلْكَ الْمَاهِيَّةِ يَتَنَاوَلُ الْجُزْئِيَّ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ} .
يعني: الأصل فيما ليس له إلا جزئيٌ واحدٌ، إذا أُطلق اللفظ انصرف إليه في الخارج، ينبني على هذا: فإذا أمر بمطلق بيعٍ، مطلق البيع له شيوعٌ في الذهن، فحينئذٍ في الخارج ليس له إلا جزئيٌ واحد وهو الجائز، فالأصل فيه أنه ينصرف إليه.
{قُلْتُ: لَمْ يَأْتِ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اللَّفْظِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْوَاقِعَ كَذَلِكَ. وَمَقْصُودُ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ دَلالَةُ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَفْظٌ} .