يعني: الكلام صحيح -السابق-، لكن البحث في اللفظ من حيث هو، لو قال: بع كذا. دون اعتبار شيءٍ آخر، وإلا هذا الكلام يستقيم.
ولذلك النتيجة مرتبة على ذلك، ما رُتِّب ضمان النقص على الوكيل إلا لمراعاة الخارج، فحينئذٍ كان المؤدَّى ما ذكره ابن قاضي الجبل هنا، وهو: أننا رتبنا الضمان على الوكيل لمراعاة أن هذه الماهية لما أمر بها لم ينصرف في الخارج إلا لجزئيٍ مباح .. الجائز، الذي هو يكون الثمن إلى آخره بالشروط المتعارفة عند أهل العلم.
فلما خالف ولم يأت إلى الثمن المتعارف عليه يعني: لم يرجع إلى العرف، فحينئذٍ ضُمِّن.
فالأمر بالماهية إذا كانت محصورة في جزئيٍ خارجي إذا أمر بها انصرف إلى هذا الجزئي، لكن البحث في اللفظ من حيث هو: بعه بكذا. دون اعتبار الجزئي، فحينئذٍ نقول: يتناول الجائز وغير الجائز.
ولو قلنا: هذا هو المأمور به لما ضمّنا الوكيل .. لو قلنا المأمور به .. البيع من حيث هو دون اعتبار لجزئيٍ خارج، لم نُضّمن البائع هنا الوكيل؛ لأنه لم يأخذ بما تعارف عليه الناس، لأن الحكم مركبٌ من شيئين: من لفظٍ، ومن مصدق اللفظ.
ومصدق اللفظ لا يعم حقيقة في الواقع إلا ما كان جائزًا ومتعارفًا عليه.
إذًا: المسألة يُنظر فيها من جهتين: أولًا: اللفظ من حيث هو لا باعتبار الواقع، فحينئذٍ نقول: بعه يشمل الجائز وغير الجائز.
ثم إذا أردنا باعتبار الواقع حينئذٍ لا يمكن أن يفي بهذا المأمور به ويمتثل إلا إذا وافق الشروط المعتبرة عند أهل العلم.
حينئذٍ الضمان مرتب على الصورة الأولى أو الثانية؟ على الصورة الثانية.
فالذي ذكره ابن قاضي الجبل وردَّه هنا بأن البحث في اللفظ. نقول: لو كان البحث في اللفظ مجردًا دون اعتبار الجزئي الخارج لما ضُمِّن الوكيل؛ لأنه هو الذي أمر .. أمر ببيع مطلق، فإذا أخذه بأي ثمن قال: اشترِ هذه السيارة أو اشترِ هذا القلم. فذهب واشترى بمائة ريال، أنت أطلقت القول. فإذا كان الأمر راجعًا إلى اللفظ فأنت الآمر ولم تقيِّد، فدل ذلك على أن مطلق البيع هو الذي أُمِر به، لكن لما نُظر إلى الواقع والجزئي الذي حُصر فيه البيع وهو البيع الجائز حينئذٍ ترتب الضمان على الوكيل.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَالْأَمْرَانِ الْمُتَعَاقِبَانِ) هذه مسألة ختم بها باب الأمر.
(وَالْأَمْرَانِ) أمران: صُم صلِّ.
متعاقبان: من التعاقب. يعني: لم يكن بينهما تراخٍ، الثاني عَقِبَ الأول، احترازًا عما لو قال له في الصباح: صُم -قبل الفجر-، وقال له في المساء: صلِّ. لا إشكال فيه، أنه يمتثل الأول ويمتثل الثاني.
لكن لو قال له دفعة واحدة: صُم صلِّ. هذا محل الشاهد، وأين هو؟
(وَالْأَمْرَانِ) يعني: الصادران من الآمر، وتَكَرر بشيءٍ وكان الثاني غير مماثلٍ للأول.
(الْمُتَعَاقِبَانِ) بأن لم يكن بينهما تراخٍ يعني: لا يتراخى الثاني عن الأول، هذا الشرط الأول.
(بِلَا عَطْفٍ) يعني: بدون حرف عطف، إما أن يختلفا وإما أن يمتثلا.
كيف يختلفا؟ صُم وصلِّ. اختلفا؟ اختلفا. بدون عطف؟ بدون عطف. صادران من شخصٍ واحد؟ صادران من شخصٍ واحد. بلا عطف؟ بلا عطف. اختلفا؟ اختلفا.
أو يتماثلا بأن يقول: صلِّ صلِّ، أمران متعاقبان، وبلا عطفٍ، ومتماثلان، ومن شخصٍ واحد.