هاتان صورتان.
قال: (وَالْأَمْرَانِ الْمُتَعَاقِبَانِ بِلَا عَطْفٍ إِنْ اخْتَلَفَا) يعني: بأن كانا غير متماثلين.
{كَقَوْلِ الْقَائِلِ صَلِّ صُمْ وَنَحْوِهِمَا}
(عَمَلٌ بِهِمَا) {أَيْ بِالأَمْرَيْنِ إجْمَاعًا} يعني: لا خلاف فيه.
يعني: يمتثل مدلول قوله: صلِّ فيصلي، ويمتثل مدلول قوله: صُم فيصوم؛ لأن الأُولى صلِّ هذه صيغة افعل وهي مجردة عن القرائن، فتدل على الوجوب.
والثانية مثلها، وتُحمل الأولى على الابتداء، وتُحمل الثانية على التأسيس. يعني: ليس بينهما معارضة البتة، وهذا محل إجماع بين الأصوليين.
قال: {بِالأَمْرَيْنِ إجْمَاعًا} .
قال: (وَإِلاَّ) يعني: والأمران المتعاقبان بلا عطفٍ، قلنا: إن اختلفا عُمل بهما،"إن تماثلا"هذا الذي أراده.
(وَإِلاَّ) يعني: (الْأَمْرَانِ الْمُتَعَاقِبَانِ بِلَا عَطْفٍ) لا زالت المسألة السابقة.
وإن لم يختلفا يعني: بأن تماثلا. صلِّ صلِّ، لها صور أربعة تتحد بحكمٍ واحد.
قال: (وَلَمْ يَقْبَلْ التَّكْرَارَ) هذا شرطٌ فيه. كيف لا يقبل التكرار؟
{كَقَوْلِهِ: صُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ} .
في يوم الجمعة .. اليوم يعني. صُم يوم الجمعة وأراد الجمعة هذه. صُم يوم الجمعة، هكذا مثّل ولو قال: صُم يوم الخميس لكان أولى.
صُم يوم الخميس صُم يوم الخميس وأراد الخميس هذا، حينئذٍ هل يقبل التكرار؟ لأنه لو امتثل بالأول، الثاني لا مدلول له .. من باب تحصيل الحاصل، فيكون الثاني توكيدًا للأول لا تأسيسًا.
قال: (وَلَمْ يَقْبَلْ التَّكْرَارَ) {كَقَوْلِهِ: صُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ} يعني: الجمعة نفسها.
{وَكَقَوْلِهِ: أَعْتِقْ سَالِمًا أَعْتِقْ سَالِمًا} .
هنا ثَم مانع، الأول من باب تحصيل الحاصل. يعني: العقل يدل على أن المأمور به -وهذا لعله مر معنا-: أن من شرط المكلَّف به أن يكون معدومًا، وإذا حصل التكليف بالأول -صُم يوم الجمعة- حينئذٍ ما الذي تعلق به قوله: صُم يوم الجمعة -الثاني-؟
إذا صلى الظهر ابتداء فإذا قيل له: صلِّ الظهر هذا ممتنع أن يمتثل، فحينئذٍ يكون من التكليف بالمحال؛ لأنه من باب تحصيل الحاصل؛ إذ الظهر تكون واحدة فقط، فإذا سقط الطلب بالأمر الأول، حينئذٍ أين يكون متعلق الطلب الثاني؟ فأمره حينئذٍ يكون من باب تحصيل الحاصل.
هنا قوله: {أَعْتِقْ سَالِمًا أَعْتِقْ سَالِمًا} . المانع شرعي من الثاني؛ لأن العبد إذا حُرر وعتق مرة لا يتكرر .. لا يُعتق مرة ثانية، فإذا أعتقه المرة الأولى حينئذٍ نقول: أعتق سالمًا -مرة ثانية- أين محله؟ لا وجود له.
{وَكَقَوْلِهِ: اُقْتُلْ زَيْدًا اُقْتُلْ زَيْدًا} القتل إذا وقع استحال إعادته مرة ثانية يعني: بالفعل. فالمانع حينئذٍ يكون عقلًا.
إذًا: (وَلَمْ يَقْبَلْ التَّكْرَارَ) لمانعٍ، قد يكون عادة وقد يكون شرعًا، وقد يكون عقلًا. المراد: أن الثاني لا يمكن امتثاله البتة.
قال: (أَوْ قَبِلَ التَّكْرَارَ) الأول: لم يقبل التكرار.