(أَوْ قَبِلَ التَّكْرَارَ وَمَنَعَتْهُ الْعَادَةُ) يعني: لم يمنع التكرار من جهة العقل وإنما من جهة العادة، مثّل له بقوله: {اسْقِنِي مَاءً، اسْقِنِي مَاءً} العادة تقتضي أن السَّقْية الأولى قد اندفع بها العطش، والسقية الثانية هذه لا محل لها لا من جهة العقل ولا من جهة الشرع، فالمانع هنا من جهة العادة. يعني: عادة وعُرفًا أن اسقني ماءً فإذا سقاه وامتثل حصل دفع العطش.
فإذا جاء بالثانية أين مجالها؟ لا مجال لها في الغالب، فقوله: اسقني ماءً اسقني ماءً. الثاني نقول: يقبل التكرار، لكن العادة تمنع لا العقل، العقل يجوِّز أن يشرب من الصباح إلى العشاء وهو يكرع من النهر، لا يمنع العقل وكذلك الشرع لا يمنع.
قال: (أَوْ قَبِلَ التَّكْرَارَ) وَعُرِّفَ الثَاني كقوله: صلِّ ركعتين صلِّ الركعتين. حينئذٍ تأتي القاعدة السابقة: أن النكرة إذا أعيدت معرفة فهي عين الأولى، إذًا: هذا من باب التأكيد.
(أَوْ قَبِلَ التَّكْرَارَ) {فِي حَالَةِ كَوْنِ أَنَّهُ (بَيْنَ آمِرٍ وَمَأْمُورٍ عَهْدٌ ذِهْنِيٌّ) يَمْنَعُ التَّكْرَارَ} .
هو من حيث هو يقبل التكرار، لكن ثَم عهد ذهني.
مثّل له بقوله: {كَمَنْ لَهُ عَلَى شَخْصٍ دِرْهَمٌ. فَقَالَ لَهُ: أَحْضِرْ لِي دِرْهَمًا، أَحْضِرْ لِي دِرْهَمًا} كم درهم؟ واحد، مع كون الأصل في النكرة إذا أُعيدت نكرة فهي غير الأولى، لكن للعهد هنا .. قرينة خارجية دلَّت على أن الدرهم الثاني هو الأول فبينهما عهدٌ.
في هذه الصور الأربع {الثَّانِي تَأْكِيدٌ لِلأَوَّلِ إِجْمَاعًا} .
ما هي الصور الأربع؟
(وَإِلاَّ وَلَمْ يَقْبَلْ التَّكْرَارَ) يعني: تماثلا ولم يقبل التكرار، صُم يوم الجمعة صُم يوم الجمعة. نقول: الثاني توكيد للأول؛ لأن الامتثال حصل بالأول والثاني صار من باب تحصيل الحاصل، وهو من التكليف بالمحال. حينئذٍ يُحمل على التأكيد.
الثانية: أنهما تماثلا وقبِل التكرار، لكن المنع جاء من جهة العادة: اسقني ماءً اسقني ماءً فالثاني توكيدٌ للأول؛ لأنه لا مدلول له .. لا يمتثل.
الثالثة: امتثلا وقبِل التكرار، ولكن دخلت أل مُعرّفة على الثاني، وعُرِّف الثاني: صلِّ ركعتين صلِّ الركعتين، فالثاني هو عين الأول.
الرابع: تماثلا وثم عهدٌ ذهني بينهما -بين الآمر والمأمور-: أحضر لي درهمًا أحضر لي درهمًا. فالثاني تأكيدٌ للأول إجماعًا؛ لأن الثاني في هذه الصور الأربع لا يمكن امتثاله البتة"لمانعٍ"ويختلف هذا المانع إما عادة وإما عقلًا وإما شرعًا.
(وَإِلاَّ فَتَأْسِيسٌ كَبَعْدِ امْتِثَالِ) .
(وَإِلاَّ) {أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَمْنَعْ الْعَادَةُ التَّكْرَارَ} يعني: إن لم يكن واحدة من الأمور السابقة الأربعة.
{وَإِنْ لَمْ تَمْنَعْ الْعَادَةُ التَّكْرَارَ} بأن جَوَّزت العادة أن يتكرر.
{وَلَمْ يُعْرَفُ ثَانِي الأَمْرَيْنِ دُونَ الأَوَّلِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ آمِرٍ وَمَأْمُورٍ عَهْدٌ ذِهْنِيٌّ فَالثَّانِي تَأْسِيسٌ لا تَأْكِيدٌ} لأنه كما سبق معنا من القواعد أنه إذا دار الأمر بين كون الثاني تأكيدًا أو تأسيسًا، فحينئذٍ حُمل على التأسيس لأن فيه زيادة معنى.