ولذلك دائمًا نقول: أجمع الصحابة على كفر تارك الصلاة، هذا بإجماع، كل من نظر في المسألة في أصولها وجد أن الصحابة مجمعون، حينئذٍ كيف خالف الأئمة؟ نقول: الله أعلم.
لكن هذا لا يلزمنا بمتابعة الأئمة وترك ما عليه الصحابة؛ لأننا مطالبون باتباع الدليل، وما فهمه الصحابة من الدليل: الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة الذين هم الصحابة أولى من يُتّبعوا، أما ما عداهم فهؤلاء علماء وليست العصمة ثابتة لهم .. يصيبون ويخطئون، ونعتذر لمن لم يوفَّق للصواب.
قال: (فَإِنْ تَجَرَّدَتْ فَلِتَحْرِيمٍ) قلنا: عند الأئمة الأربعة وغيرهم، الدليل: إجماع الصحابة.
حيث أنهم فهموا من النهي الكف عن الفعل والترك دون استفصال، لم يستفصلوا من النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا سمعوا: (( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا ) )هل هو للكراهة أو للتحريم؟ وإنما حملوه مباشرة على التحريم، (( لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا ) ) [آل عمران:130] حملوه على التحريم، هل هناك صيغة أخرى؟ لا. وإنما من صيغة لا تفعل فهموا التحريم.
إجماع الصحابة؛ حيث أنهم فهموا من النهي الكف عن الفعل والترك، ولو لم يكن النهي يقتضي التحريم لما انتهوا عن المنهي عنه، ولما عاقبوا من يفعله. وهو كذلك.
كذلك إجماع أهل اللغة -أهل اللسان- على أنه لو قال لابنه: لا تخرج. فخرج الابن فعاقبه، هل يلام؟ لا يلام، هذا حُسن موافقة المعنى اللغوي.
إذًا: (فَإِنْ تَجَرَّدَتْ فَلِتَحْرِيمٍ) وقيل غير ذلك من الأقوال التي ذكرها مَن ذكرها، وكما ذكرنا أن المسألة لا خلاف فيها، والخلاف حينئذٍ يكون غير معتبر.
قال: (وَمُطْلَقَةً عَنْ شَيْءٍ لِعَيْنِهِ أَوْ وَصْفِهِ يَقْتَضِي فَسَادَهُ شَرْعًا) .
صيغة لا تفعل تدل على شيئين من حيث الشرع: الأول التحريم، وهنا يقال في صيغة لا تفعل تدل على التحريم، على ما مضى: لغة أو شرعًا أو عقلًا؟ على الخلاف السابق، والصواب: أنه لغة وشرعًا. يعني: كما أن صيغة افعل تدل على الوجوب لغة وشرعًا، كذلك صيغة لا تفعل تدل على التحريم لغة وشرعًا.
يعني: من جهة اللغة يستفاد التحريم، ومن جهة الشرع كذلك يستفاد التحريم.
ثَم أمرٌ آخر كذلك مختلفٌ فيه: هل هو من جهة اللغة أو لا، وهو فسادُ المنهي عنه.
فحينئذٍ صيغة لا تفعل تدل على شيئين: التحريم، وتزيد على ذلك فساد المنهي عنه؛ لأنه قد يُنهى عن الشيء فتفيد التحريم لكن لا يدل على أنه فاسد، ولذلك إذا قيل: الصلاة في الأوقات المنهي عنها .. لا تصل فصلى، نقول: وقع في منهيٍ عنه، حرُم؟ حرم.
حينئذٍ هل يقتضي النهي التحريم؟ نقول: نعم يحرم عليه أن يصلي في الأوقات المنهي عنها.
إذا صلى وخالف هل نقول: فسدت صلاته وبطلت ولم يترتب عليها الأثر؟ نقول: نعم وهو كذلك، لماذا؟
لأن صيغة لا تفعل تدل على شيئين: على أنه يحرم عليه أن يتلبس بهذا الفعل، ثم إن تلبس به فحينئذٍ يعتبر فاسدًا.
فكل عبادة محرمة فهي فاسدة، وكل عقدٍ محرمٍ فهو فاسد يعني: لا يترتب عليه أثر.
فالبيع الفاسد لا يترتب عليه الملك، والنكاح الفاسد لا يترتب عليه حل الانتفاع ونحو ذلك .. فكل ما فسد من العقود فحينئذٍ نقول: لا يترتب عليه أثره، وكل ما بطل من العبادات لا يترتب عليها أثره.