فهرس الكتاب

الصفحة 990 من 1890

من أين أخذنا هذا؟ نقول: من اللفظ نفسه، دل على ذلك أدلة سيأتي بيانها.

قال هنا: (وَمُطْلَقَةً عَنْ شَيْءٍ لِعَيْنِهِ) .

يعني: {وَوُرُودُ صِيغَةِ النَّهْيِ مُطْلَقَةً} يعني: مطلق النهي، خرج به ما اقترن ما يدل على الفساد، أو ما يدل على الصحة.

كأنه يقول لك: الأحوال ثلاثة:

صيغة لا تفعل قد يقترن بها ما يدل على صحة المنهي عنه، فهو صحيحٌ ولا خلاف فيه.

صيغة لا تفعل قد يقترن بها ما يدل على فساد المنهي عنه، فهو فاسدٌ ولا خلاف فيه.

وإنما لا تفعل فقط دون أن يقترن بها ما يدل على الفساد أو على الصحة.

تدل على ماذا؟ قال: (مُطْلَقَةً عَنْ شَيْءٍ لِعَيْنِهِ) أراد هنا نوعًا من أنواع المنهي عنه؛ لأن المنهي عنه أقسام: النوع الأول الذي ذكره هنا: (لِعَيْنِهِ) أن يكون المنهي عنه لعينه يعني: لذاته لا لشيءٍ خارج عنه، لا لوصف لازم ولا لوصف غير لازم؛ لأن الأحوال ثلاثة: إما أن يُنهى عنه لعينه، أو للازم خارج، أو لغير لازم وهو خارجٌ كذلك. وهذه سيذكرها المصنف كلها على جهة التتابع.

قال: (وَمُطْلَقَةً عَنْ شَيْءٍ لِعَيْنِهِ) .

{أَيْ لَعَيْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ كَالْكُفْرِ} وهذا منهيٌ عنه لعينه .. لذاته؛ لأنه قبيح.

{وَالظُّلْمِ} منهيٌ عنه لذاته، {وَالْكَذِبِ} منهيٌ عنه لذته {وَنَحْوِهَا مِنْ الْمُسْتَقْبَحِ لِذَاتِهِ} .

هذا يقال فيه أنه من النوع الأول: المنهي عنه لذاته. يعني: لا لأمرٍ خارجٍ عنه.

قال: {يَقْتَضِي فَسَادَهُ شَرْعًا} رتَّب أمرين هنا: إذا نهى الشارع عن شيءٍ وعلمنا أن النهي هنا لعينه .. لذاته اقتضى فساده -فساد المنهي عنه-، فلا يترتب عليه أثره لا في العبادات ولا في المعاملات، ثم هذا الفساد المحكوم به على المنهي عنه مأخوذٌ من جهة الشرع لا من جهة اللغة.

ولذلك قال: {يَقْتَضِي فَسَادَهُ شَرْعًا} يعني: عدم ترتب الأثر.

فأثر النهي في العبادات: عدم براءة الذمة، فلو أوقع صلاة الظهر على وجه منهيٍ عنه نقول: بطلت صلاته، هل برئت الذمة؟ لم تبرأ الذمة.

كذلك أثر النهي في المعاملات: عدم إفادة الملك والحل ونحو ذلك، فإذا باع وفسد البيع -بطل البيع- حينئذٍ نقول: لا يترتب عليه أثره، كذلك لو عقد نكاحًا وفسد بطلت، لا يترتب عليه أثره.

قال: {عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ} .

إذًا: قرر المصنف هنا رحمه الله تعالى أن صيغة النهي مطلقة عن شيءٍ لعينه وهو النوع الأول، وإن كان المذهب كما سيذكر المصنف: أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقًا، سواء كان لعينه، أو لخارجٍ لازمٍ، أو لا. هذه قاعدة المذهب.

لكنه أراد أن يبسط أنواع المنهي عنه ليبين المسائل التي وقع فيه الخلاف الكثير وأنواعه.

قال هنا: عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ يعني: لا خلاف.

{لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهَا الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: } .

وهذا هو حجة هذه القاعدة الأصولية: النهي يقتضي فساد المنهي عنه دون تفصيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت