ففي هذه المواضع الثلاثة تتأكد الصَّدقة، وما تقدم من أمثلة المواضع ليس هذا حصرها، وإنَّما هناك أزمان تتأكد فيها الصدقة، كوقتِ كسوف الشمس وخسوف القمر؛ لحديث عائشة مرفوعًا: (( إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فادعوا وكبروا وتصدقوا وصلوا ) )؛ رواه البخاري.
وهناك أحوال تتأكد فيها غير شدة حاجة كحال الغزو؛ قال تعالى: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95] ، وكحال الصحة والسعة؛ لأنَّ الإنسان حال الضيق والمرض والاضطرار يتصدق، وأمَّا حال السعة والصحة، فدواعي الصدقة أقل، وحب المال يطغى، جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رجلًا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسولَ الله، أيُّ الصدقة أعظم؟ قال: (( أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ) )؛ متفق عليه.
والأمثلة كثيرة وليس هذا موضع بسطها.
فائدة نفسية: قال شيخنا ابن عثيمين في"الممتع"، (6/ 269) :"مسألة: إذا تعارض شرف المكان وشرف الأحوال، فأيهما يقدم؟".
الجواب: يقدم شرف الأحوال؛ لأنَّ الصدقة إنَّما شرعت لدفع الحاجة، فالفضل فيها باعتبار الحاجات يتعلق بنفس العبادة، وقد سبق قاعدة مُفيدة في هذا الباب، وهي:"أن الفضل إذا كان يتعلق بذات العبادة، كانت مراعاته أَوْلَى من الفضل الذي يتعلق بزمانها أو مكانها"اهـ.
-يسن أن يتصدق بالفاضل عن كفاية من يمونه.
أي: إنَّه إذا أراد أن يتصدق الإنسانُ، فإنَّه يتصدق بالزَّائد عن نفقته ونفقة من يمونهم، وعليه فإنَّه يبدأ بسد كفايته وكفاية من يمونهم ثم يتصدق، وهذه العبارة جاء بها صاحبُ الزاد؛ ليبيِّن أن المتصدق لا يقدم صدقته على نفقة من يمون.
ويدُلُّ على ذلك: حديث حكيم بن حزام أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( اليد العُليا خير من اليد السُّفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصَّدقة عن ظهر غنى ) )؛ متفق عليه.