والقول الثالث: فرَّقوا بين الأموال الظاهرة، فلا يؤثر فيها الدين، وبين الأموال الباطنة، فيؤثر فيها الدين، وهذا القول رواية في المذْهَب وهو اختيار الشيخ عبدالرحمن السعدي.
واستدلوا:
1 -بما تقدم من إرسال النَّبي - صلى الله عليه وسلم - للعمال؛ ليأخذوا من أصحاب الأموال الظاهرة أهل المواشي والثِّمار، ولم يكونوا يستفصلون أعليهم ديون أم لا؟
2 -قالوا: لأنَّ تعلُّق الزَّكاة بالأموال الظاهرة آكد من الباطنة، وذلك لظهورها وتعلُّق الفقراء بها.
وهذان الدليلان أقوى أدلتهم وأشهرها.
ونوقش هذان الدليلان بأنَّ عدم استفصال السُّعاة من أهل الأموال الظَّاهرة، وأخذهم للمال مُباشرة يدُلُّ على أنَّ الزكاة تتعلق بالمال، ولا فرق في هذا بين الأموال الظاهرة والباطنة، ولأنَّ الدَّين أمر مخفي يستوي فيه المال الظاهر والباطن، وأمَّا قولهم: لأن قلوب الفقراء تتعلق بالأموال الظاهرة؛ لظهورها بخلاف الأموال الباطنة؛ لخفائها، فالجواب أنَّ الخفاء والظهور لا ينضبط، فصاحب عروض التِّجارة الذي له محلات تجارية أشد ظهورًا للفقراء من صاحب الغنم الذي تنحَّى بها خارج البلدة، وسكن عندها من البدو وغيرهم.
وبعد استعراض الأقوال، فإنَّ القول الأول وهو أنَّ للدين تأثيرًا في الزكاة قول وجيه وقوي؛ وذلك لأن أثر عثمان في الأمر بقضاء الدين ثم أداء الزكاة - مما بَقِيَ قويًّا في الدلالة؛ قال ابن قدامة في"المغني" (4/ 164) عن قول عثمان:"وقد قال ذلك بمحضر من الصحابة، فلم ينكروه عليه، فدل على اتفاقهم عليه".
-قال ابن رشد:"والأشبه بغرض الشارع إسقاط الزَّكاة عن المدين" [1] .
إلا أن هناك أمورًا وشروطًا لا بد من مراعاتها وهي ما يلي:
1 -أن يكون الدَّيْنُ حالاًّ لا مؤجلًا:
مثال ذلك: رجل عليه مائة ألف ريال بأقساط سنويَّة كل سنة عشرة آلاف، فإن الدين المعتبر الذي يؤثر في الزَّكاة هو ما حلَّ سداده، وهو عشرة آلاف، فيخصمها مما عنده من
(1) انظر:"بداية المجتهد"، 1/ 246.