فأما الأثر: فإنَّ هذا التفسير هو المنْقول عن ابن مسعود - رضي الله عنه [1] - وأما النظر فلأن النقود هي التي تكنز وتنفق، وأما الحلي المستعمل فليس معدًّا للإنفاق، بل هو معدٌّ للزينة، والله - عز وجل - يقول {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] .
3 -أن إدخال الحلي المستعمَل من الذهب في عموم الآية؛ لأنه كنز لم تؤدَّ زكاتُه؛ استدلالًا بقول ابن عمر وجابر - رضي الله عنهما - لا يصلح أن يكون حجة؛ لأنهما ممن يذهب إلى القول بعدم وجوبهما كما سيأتي، وهما أعلم الناس بدلالة قولهما، وهذا يدل على أنهما لا يقصدان دخول الحلي المستعمل في الكنز المراد بالآية، وإلاَّ لكان في رأيهما تناقُض، والأولى أن يقال: قولهما في تفسير الكنز في الآية عام، وفتياهما بعدم وجوب زكاة الحلي خاص، والخاص مقدَّم على العام.
4 -لو قلنا بالاستدلال بعُمُوم الآية على وجوب زكاة الحلي، فإنَّ هذا العُمُوم مخصوص بعَمَل جَمْع من الصحابة، وفتاواهم بعدم وجوب زكاة الحلي المستعمل، وهم أقرب الناس للتنزيل والأعلم بالتأويل، ولو كان الاستدلال صريحًا، أو فيه ما يدل على وجوب زكاة الحلي المستعمل، لما خالفوه بأعمالهم وأقوالهم، مما يدل على أنَّ الآية لا تكون دليلًا على وُجُوب زكاة الحلي المستعمَل.
ثانيًا: استدلالهم بعموم حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - غير متَّجه أيضًا لما يلي:
1 -أنَّ قوله ?: (( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها ... ) )، الحق المطلوب تأديته في الحديث حق مُجمَل، والمجمل لا يجوز العمل به قبل بيانه، كما هو مُقَرَّر في القواعد الأصولية، وحينما نبحث عن بيان لما يجب إخراجه من زكاة الحلي المستعمل، لا نجد في السُّنَّةِ ما يُبَيِّن ذلك، والوارد في السُّنَّةِ مقدار ما يتعلَّق بالأثمان من الذهب (وهي الدنانير) ، والفضة (وهي الورق) ، والرِّقَة والدراهم، وأما الحلي فهو خارج عن هذا البيان؛ بدليل التفريق في الاتِّخاذ، فالحلي اتخذ للزينة والتحلِّي، لا للثمينة كما في أصْل الذهَب والفضة، إذًا الحلي خرجت هذا الأصل، وهذا التفريق جاءت به الشريعة من وجه آخر؛ حيث أبيح للرِّجال والنساء امتلاك
(1) انظر:"تفسير ابن كثير" (4/ 83) ، و"الدر المنثور" (7/ 333) .