فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 289

ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا أَوْ إِلَى أَنْ يَيْبَسَا )) [1]

قَوْله: (وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير. ثُمَّ قَالَ: بَلَى) أَيْ: إِنَّهُ لَكَبِير. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الأَدَب مِنْ طَرِيق عَبْد بْن حُمَيْدٍ عَنْ مَنْصُور فَقَالَ"وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير. وَإِنَّهُ لَكَبِير"

وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله"وَإِنَّهُ لَكَبِير":

فَقَالَ أَبُو عَبْد الْمَلِك الْبَوْنِيّ: يَحْتَمِل أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ غَيْر كَبِير , فَأُوحِيَ إِلَيْهِ فِي الْحَال بِأَنَّهُ كَبِير , فَاسْتَدْرَكَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِم أَنْ يَكُون نَسْخًا وَالنَّسْخ لا يَدْخُل الْخَبَر. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحُكْم بِالْخَبَرِ يَجُوز نَسْخه فَقَوْله"وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير"إِخْبَار بِالْحُكْمِ , فَإِذَا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَبِير فَأَخْبَرَ بِهِ كَانَ نَسْخًا لِذَلِكَ الْحُكْم.

وَقِيلَ: يَحْتَمِل أَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله"وَأَنَّهُ"يَعُود عَلَى الْعَذَاب , لِمَا وَرَدَ فِي صَحِيح اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة"يُعَذَّبَانِ عَذَابًا شَدِيدًا فِي ذَنْب هَيِّن".

وَقِيلَ الضَّمِير يَعُود عَلَى أَحَد الذَّنْبَيْنِ وَهُوَ النَّمِيمَة لأَنَّهَا مِنْ الْكَبَائِر بِخِلافِ كَشْف الْعَوْرَة , وَهَذَا مَعَ ضَعْفه غَيْر مُسْتَقِيم لأَنَّ الاسْتِتَار الْمَنْفِيّ لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ كَشْف الْعَوْرَة فَقَطْ.

وَقَالَ الدَّاوُدِيّ وَابْن الْعَرَبِيّ:"كَبِير"الْمَنْفِيّ بِمَعْنَى أَكْبَر , وَالْمُثْبَت وَاحِد الْكَبَائِر , أَيْ: لَيْسَ ذَلِكَ بِأَكْبَر الْكَبَائِر كَالْقَتْلِ مَثَلًا , وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فِي الْجُمْلَة.

وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَيْسَ بِكَبِيرٍ فِي الصُّورَة لأَنَّ تَعَاطِيَ ذَلِكَ يَدُلّ عَلَى الدَّنَاءَة وَالْحَقَارَة , وَهُوَ كَبِير الذَّنْب.

وَقِيلَ: لَيْسَ بِكَبِيرٍ فِي اِعْتِقَادهمَا أَوْ فِي اِعْتِقَاد الْمُخَاطَبِينَ وَهُوَ عِنْد اللَّه كَبِير كَقَوْلِهِ تَعَالَى (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْد اللَّه عَظِيم)

وَقِيلَ: لَيْسَ بِكَبِيرٍ فِي مَشَقَّة الاحْتِرَاز , أَيْ: كَانَ لا يَشُقّ عَلَيْهِمَا الاحْتِرَاز مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا الأَخِير جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيُّ وَغَيْره وَرَجَّحَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد وَجَمَاعَة

(1) رواه البخاري في الوضوء (216) ، ومسلم في الطهارة (439) ، والترمذي في الطهارة (65) ، والنسائي في الجنائز (2041) وأبو داود في الطهارة (19) ، وابن ماجه في الطهارة (341) ، وأحمد (1877) ، والدارمي في الطهارة (732)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت