فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 289

وَهَذَا الْمَسْلَك بَاطِل قَطْعًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلّ مَيِّت يُعَذَّب، وَلأَنَّ هَذَا اللَّفْظ لا يَدُلّ إِلا عَلَى السَّبَبِيَّة، كَمَا فَهِمَهُ أَعْظَم النَّاس فَهْمًا وَلِهَذَا رَدَّتْهُ عَائِشَة لَمَّا فَهِمَتْ مِنْهُ السَّبَبِيَّة، لأَنَّ اللَّفْظ الآخَر الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ بِالْمُغِيرَةِ يُبْطِل هَذَا التَّأْوِيل، وَلأَنَّ الإِخْبَار بِمُقَارَنَةِ عَذَاب الْمَيِّت الْمُسْتَحِقّ لِلْعَذَابِ لِبُكَاءِ أَهْله لا فَائِدَة فِيهِ.

الْمَسْلَك الرَّابِع: أَنَّ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ: مَا يَتَأَلَّم بِهِ الْمَيِّت، وَيَتَعَذَّب بِهِ، مِنْ بُكَاء الْحَيّ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ الْمُرَاد: أَنَّ اللَّه تَعَالَى يُعَاقِبهُ بِبُكَاءِ الْحَيّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ التَّعْذِيب هُوَ مِنْ جِنْس الأَلَم الَّذِي يَنَالهُ بِمَنْ يُجَاوِرهُ مِمَّا يَتَأَذَّى بِهِ وَنَحْوه. قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"السَّفَر قِطْعَة مِنْ الْعَذَاب"وَلَيْسَ هَذَا عِقَابًا عَلَى ذَنْب، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْذِيب وَتَأَلُّم، فَإِذَا وُبِّخَ الْمَيِّت عَلَى مَا يُنَاح بِهِ عَلَيْهِ لَحِقَهُ مِنْ ذَلِكَ تَأَلُّم وَتَعْذِيب.

وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ: مَا رَوَى الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ"أُغْمِيَ عَلَى عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة، فَجَعَلَتْ أُخْته عَمْرَة تَبْكِي: وَاجَبَلاه وَاكَذَا، وَاكَذَا، تُعَدِّد عَلَيْهِ، فَقَالَ حِين أَفَاقَ: مَا قُلْت شَيْئًا إِلا قِيلَ لَهُ لِي: أَأَنْت كَذَلِكَ؟".

وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن ثَابِت"فَإِذَا وَجَبَ فَلا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَة".

وَهَذَا أَصَحّ مَا قِيلَ فِي الْحَدِيث.

وَلا رَيْب أَنَّ الْمَيِّت يَسْمَع بُكَاء الْحَيّ، وَيَسْمَع قَرْع نِعَالهمْ، وَتُعْرَض عَلَيْهِ أَعْمَال أَقَارِبه الأَحْيَاء، فَإِذَا رَأَى مَا يَسُوءهُمْ تَأَلَّمَ لَهُ، وَهَذَا وَنَحْوه مِمَّا يَتَعَذَّب بِهِ الْمَيِّت وَيَتَأَلَّم، وَلا تَعَارُض بَيْن ذَلِكَ وَبَيْن قَوْله تَعَالَى (( وَلا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى ) )بِوَجْهٍ مَا. [1]

سئل شيخ الإسلام: هَلْ يَتَأَذَّى الْمَيِّتُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟

فَأَجَابَ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَالْعُلَمَاءِ.

(1) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (8/ 278)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت