فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 289

فَهَؤُلاءِ عُمَر بْن الْخَطَّاب، وَابْنه عَبْد اللَّه، وَابْنَته حَفْصَة، وَصُهَيْب، وَالْمُغِيرَة بْن شُعْبَة كُلّهمْ يَرْوِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَمُحَال أَنْ يَكُون هَؤُلاءِ كُلّهمْ وَهَمُوا فِي الْحَدِيث. وَالْعَارِضَة الَّتِي ظَنَّتْهَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ بَيْن رِوَايَتهمْ وَبَيْن قَوْله تَعَالَى (( لا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى ) )غَيْر لازِمَة أَصْلًا. وَلَوْ كَانَتْ لازِمَة لَزِمَ فِي رِوَايَتهَا أَيْضًا: أَنَّ الْكَافِر يَزِيدهُ اللَّه بِبُكَاءِ أَهْله عَذَابًا، فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه لا يُعَذِّب أَحَدًا بِذَنْبِ غَيْره الَّذِي لا تَسَبُّب لَهُ فِيهِ. فَمَا تُجِيب بِهِ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ قِصَّة الْكَافِر يُجِيب بِهِ أَبْنَاؤُهَا عَنْ الْحَدِيث الَّذِي اِسْتَدْرَكَتْهُ عَلَيْهِمْ.

ثُمَّ سَلَكُوا فِي ذَلِكَ طُرُقًا.

أَحَدهَا: أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِمَنْ أَوْصَى أَنْ يُنَاح عَلَيْهِ، فَيَكُون النَّوْح بِسَبَبِ فِعْله، وَيَكُون هَذَا جَارِيًا عَلَى الْمُتَعَارَف مِنْ عَادَة الْجَاهِلِيَّة، كَمَا قَالَ قَائِلهمْ:

إِذَا مُتّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْله .. وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْب يَا اِبْنَة مَعْبَد

وَهُوَ كَثِير فِي شِعْرهمْ.

وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَسَبَّب إِلَى ذَلِكَ بِوَصِيَّةٍ وَلا غَيْرهَا فَلا يَتَنَاوَلهُ الْحَدِيث.

وَهَذَا ضَعِيف مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدهمَا: أَنَّ اللَّفْظ عَامّ.

الثَّانِي: أَنَّ عُمَر وَالصَّحَابَة فَهِمُوا مِنْهُ حُصُول ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ.

وَمِنْ وَجْه آخَر: وَهُوَ أَنَّ الْوَصِيَّة بِذَلِكَ حَرَام يَسْتَحِقّ بِهَا التَّعْذِيب نِيحَ عَلَيْهِ أَمْ لا. وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا عَلَّقَ التَّعْذِيب بِالنِّيَاحَةِ لا بِالْوَصِيَّةِ.

الْمَسْلَك الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِمَنْ كَانَ النَّوْح مِنْ عَادَته وَعَادَة قَوْمه وَأَهْله، وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُمْ يَنُوحُونَ عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ. فَإِذَا لَمْ يَنْهَهُمْ كَانَ ذَلِكَ رِضًا مِنْهُ بِفِعْلِهِمْ، وَذَلِكَ سَبَب عَذَابه وَهَذَا مَسْلَك الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه، فَإِنَّهُ تَرْجَمَ عَلَيْهِ وَقَالَ"إِذَا كَانَ النَّوْح مِنْ سُنَنه"وَهُوَ قَرِيب مِنْ الأَوَّل.

الْمَسْلَك الثَّالِث: أَنَّ الْبَاء لَيْسَتْ بَاء السَّبَبِيَّة، وَإِنَّمَا هِيَ بَاء الْمُصَاحَبَة. وَالْمَعْنَى: يُعَذَّب مَعَ بُكَاء أَهْله عَلَيْهِ، أَيْ يَجْتَمِع بُكَاء أَهْله وَعَذَابه، كَقَوْلِهِ: خَرَجَ زَيْد بِسِلاحِهِ. قَالَ تَعَالَى (( وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت