وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي - رحمهم الله - إلى أنه لا يكفر، ولا يُقْتَل، بل يعزر، ويُحْبَسُ حتى يصلي.
واحتج من قال بكفره بظاهر حديثي الباب، وبالقياس على كلمة التوحيد.
واحتج من قال: لا يقتل، بحديث"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ...".
وليست الصلاة فيه.
واحتج الجمهور على أنه لا يكفر بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ، وبقوله صلى الله عليه وسلم:
"من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" (3) .
"من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" (4) .
"ولا يَلْقَى الله تعالى عبد غير شاكّ، فيُحْجَب عن الجنة" (5) .
"حُرِّمَ على النار من قال لا إله إلا الله" (6) .
وغير ذلك.
واحتجوا على قتله بقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عَصَمُوا مني دماءَهُم، وأموالَهم".
وتأولوا قوله صلى الله عليه وسلم:"بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة"علي معنى أنه يستحق بترك الصلاة
عقوبةَ الكافر، وهي القتلُ، أو أنه محمول على المستحل، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر، أو أنَّ فعلَهُ فعلُ الكفار. والله أعلم"."
وقال ابن رشد في"بداية المجتهد"1/ 97:
"وأما الواجب على من تَرَكَهَا عَمْدًا، وأمِرَ بها، فَأبَى أن يصليها لا جُحودًا لِفَرضِهَا، فإن قومًا قالوا: يُقْتَلُ، وقومًا قالوا: يُعَزَّر ويُحْبَس."
والذين قَالوا: يقتل، منهم من أوجب قتله كفرًا، وهو مذهب أحمد وإسحاق وابن المبارك.
ومنهم من أوجبه حَدًا، وهو مذهب مالك والشافعي.
وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الظاهر، ممن رأى حبسه وتعزيره حتى يصلي.
3 -أخرجه البخاري (5827) ، ومسلم (94 - 154) من حديث أبي ذر، قال:"أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم عليه ثوب أبيض، ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ فجلست إليه، فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. ثلاثا، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر. قال: فخرج أبو ذر، وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر".
واللفظ الذي ذكره النووي للطيالسي (445) ، وابن حبان (169) .
4 -أخرجه مسلم (26) من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه.
5 -أخرجه مسلم (27) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
6 -متفق عليه.