وإنما أنكر هذه المسائل ممن لا يشبه حاله، وأما أهل التدقيق في الورع فيشبه حالهم هذا، وقد كان الإمام أحمد نفسه يستعمل في نفسه هذا الورع، فإنه أمر من يشتري له سمنا، فجاء به على ورقة فأمر برد الورقة إلى البائع، وكان الإمام أحمد لا يستمد من محابر أصحابه، وإنما يخرج معه محبرته يستمد منها، واستأذنه رجل أن يكتب من محبرته، فقال له: اكتب فهذا ورع مظلم، واستأذنه آخر في ذلك فتبسم، فقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا، وهذا قاله على وجه التواضع وإلا فهو كان في نفسه يستعمل هذا الورع، وكان ينكره على من لم يصل إلى هذا المقام، بل يتسامح في المكروهات الظاهرة، ويقدم على الشبهات من غير توقف"."
قال ابن المنذر كما في"شرح البخاري"6/ 196 لابن بطال:
"قال بعضهم: الشبهات تنصرف على وجوه:"
فمنها شيء يعلمه المرء محرما ثم يشك فيه هل حل ذلك أم لا، فما كان من هذا النوع فهو على أصل تحريمه، لا يحل التقدم عليه إلا بيقين، مثل الصيد حرام على المرء أكله قبل ذكاته، وإذا شك في ذكاته لم يزل عن التحريم إلا بيقين الذكاة، والأصل فيه حديث عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إذا أرسلت كلبك فخالطه كلب لم تسم عليه فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله) ، وهذا أصل لكل محرم أنه على تحريمه حتى يعلم أنه قد صار حلالا بيقين، ومن ذلك أن يكون للرجل أخ له ولا وارث له غيره، فتبلغه وفاته ولأخيه جارية، فهي محرمة عليه حتى يوقن بوفاته، ويعلم أنها قد حلت له.
وكذلك لو أن شاتين ذكية وميتة سلختا فلم يدر أيهما الذكية، كانتا محرمتين بيقين على أصل التحريم حتى يعلم الذكية من الميتة، ولا يحل أن يأكل منهما واحدة بالتحري، لأنهما كانتا محرمتين بيقين، فلا يجوز الانتقال من يقين التحريم إلى شك الإباحة.