والوجه الثاني: أن يكون الشيء حلالا فيشك في تحريمه، فما كان من هذه الوجه فهو على الإباحة حتى نعلم تحريمه بيقين، كالرجل تكون له الزوجة فيشك في طلاقها، أو يكون له جارية فيشك في وقوع العتق عليها، فالأصل في هذا حديث عبد الله بن زيد أن من شك بالحدث بعد أن أيقن بالطهارة فهو على يقين طهارته، لقوله عليه السلام:"فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
والوجه الثالث: أن يشكل الشيء فلا يدرى أحرام هو أو حلال؟! ويحتمل الأمرين جميعا ولا دلالة على أحد المعنيين، فالأحسن التنزه عنه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في التمرة الساقطة"."
من هذا الحديث ونحوه أخذ العلماء قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) فإذا تعارض الشك مع اليقين أخذنا باليقين وقدمناه وطرحنا الشك، فإذا تيقن المكلف الطهارة ثم شك في الحدث بنى على اليقين وهو الطهارة، وإذا تيقن الحدث ثم شك في الطهارة بنى على اليقين وهو الحدث، فعن عبد الله المازني أنه شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ قال:"لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا"متفق عليه، ولمسلم:"إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه، أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
وكذلك إذا طرأ عليه الشك في سائر العبادات وعقود المعاملات والأنكحة استصحب الأصل وبني على اليقين وطرح الشك.
وأيضًا إذا تعذر معرفة اليقين عمل المكلف بغلبة الظن وهو الظن الراجح بالقرائن، وطرح الشك لأنه اتقى الله ما استطاع، وبذل ما وسعه، وهذه القاعدة لها نظائر وصور في الشرع، كالتحري في طهارة الماء، والتحري في استقبال القبلة، والتحري في عدد الركعات حال الشك، والتحري في تمييز الثوب الطاهر، وهلم جرا.
قال ابن رجب في"جامع العلوم والحكم":