قوله: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد) استغربوا حال هذا الرجل السائل، فإن هيئته لا تدل على أنه مسافر حتى يقولوا إنه غريب عن البلد، ولا يعرفونه حتى يقولوا إنه من أهل البلد فتعجبوا من حال هذا الرجل الذي جاء نظيفا، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يري عليه أي أثر للسفر، لأن المسافر لا سيما في ذلك الوقت يكون أشعث أغبر ملابسه متسخة لأنهم يسافرون على الإبل، أو على الأقدام، فمجرد الوطيء على الأرض فإن الغبار يكون فوق الرؤوس وهذا الرجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب، فيحق لهم التعجب المتضمن لدعوى كونه مَلكا، إذ لو كان غريبا لكان عليه أثر السفر وشعثه ولو كان مدنيا لعرفوه، وفيه دليل على تحسين الثياب والهيئة والنظافة عند الدخول على العلماء والفضلاء فإن جبريل عليه السلام أتى معلما للناس بحاله ومقاله.
قوله: (حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه) أي: فخذي نفسه كما هو الأدب، وهي جلسة المتعلم بين يدي المعلم، وهذا أدب لطالب العلم عليه أن يتحلّى به، فإنه يحسن الجلوس بين يدي العالم على هيئة التواضع، وأن لا يسيء الأدب مع شيخه بقول أو فعل أو هيئة.
وجاءت زيادة فيها أن هذا الرجل قال"أدنو يا محمد، قال:"ادنه"فما زال يقول: أدنو مرارا، ويقول له:"ادن"حتى وضع يده على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وسلم".
أخرجه النسائي (4991) أخبرنا محمد بن قدامة، عن جرير، عن أبي فروة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، وأبي ذر.
وهذا إسناد رجاله ثقات وجرير هو ابن عبد الحميد بن قرط الضبي: ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه.
وقال الحافظ في"الفتح"1/ 116: