وكان فيهم رجل قد أصابته جراحة من ذلك، فكان يخبؤها حياء من النبي صلى الله عليه وسلم فهذا كله يرجع إلى إباحة الدم بالقتل إقامة لمظان القتل مقام حقيقته، لكن هل نسخ ذلك أم حكمه باق هذا هو محل النزاع؟.
وأما ترك الدين، ومفارقة الجماعة، فمعناه الارتداد عن دين المسلمين ولو أتى بالشهادتين، فلو سب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو مقر بالشهادتين، أبيح دمه، لأنه قد ترك بذلك دينه.
وكذلك لو استهان بالمصحف، وألقاه في القاذورات، أو جحد ما يعلم من الدين بالضرورة كالصلاة، وما أشبه ذلك مما يخرج من الدين.
وهل يقوم مقام ذلك ترك شيء من أركان الإسلام الخمس؟
هذا ينبني على أنه هل يخرج من الدين بالكلية بذلك أم لا؟ فمن رآه خروجا عن الدين، كان عنده كترك الشهادتين وإنكارهما، ومن لم يره خروجا عن الدين، فاختلفوا هل يلحق بتارك الدين في القتل، لكونه ترك أحد مباني الإسلام أم لا؟ لكونه لم يخرج عن الدين.
ومن هذا الباب ما قاله كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع، فإنهم نظروا إلى أن ذلك شبيه بالخروج عن الدين، وهو ذريعة ووسيلة إليه، فإن استخفى بذلك ولم يدع غيره، كان حكمه حكم المنافقين إذا استخفوا، وإذا دعا إلى ذلك، تغلظ جرمه بإفساد دين الأمة.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بقتال الخوارج وقتلهم، وقد اختلف العلماء في حكمهم.
فمنهم من قال: هم كفار، فيكون قتلهم لكفرهم.
ومنهم من قال: إنما يقتلون لفسادهم في الأرض بسفك دماء المسلمين وتكفيرهم لهم، وهو قول مالك وطائفة من أصحابنا، وأجازوا الابتداء بقتالهم، والإجهاز على جريحهم.
ومنهم من قال: إن دعوا إلى ما هم عليه قوتلوا، وإن أظهروه ولم يدعوا إليه لم يقاتلوا، وهو نص أحمد وإسحاق، وهو يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة مغلظة.