فهرس الكتاب

الصفحة 376 من 669

ثم إن الذنب الذي يُتاب منه إما حق الله تعالى، وإما حق لغيره، فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك الذي ذكرناه، غير أن منها ما لم يكتف الشرع منه بمجرد الترك، بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء كالصلاة والصوم، ومنها ما أضاف إليه كفارة كالحنث في الأيمان والظهار وغير ذلك، فلا يرتفع ضرر الذنب إلا بتركه، وفعل ما أمره الله تعالى به من القضاء والكفارة، وأما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم توصل إلى أربابها لم يتخلّص من ضرر ذلك الذنب إلا بتركه وفعل ما أمره الله به، ومن اجتهد في الخروج عن الحقوق، فلم يقدر على الخروج منها، فعفو الله مأمول، وفضله مبذول، وكم ضمن من التبعات، وكم بدّل من السيئات بالحسنات"."

قوله (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) لما كانت الجبلة والعادة في الخلق أن يوصل بعضهم إلى بعض نفعًا أو ضرًا، وكان هذا مألوفًا لهم فيما بينهم، فإذا رأيت إحسانًا من أحد، أو إساءة من أحد إليك، فتجتهد لأن توصل إليه نظير صنعه من خير أو شر أو منفعة أو مضرة فالناس وراء المنافع أيًا كان وكل بحسبه، أراد المولى جل ذكره أن يبين لخلقه وعبيده: أنه سبحانه لا يصله شيء من طاعتكم، فينتفع به، ولا يصله شيء من معصيتكم فتضرونه به، بل أعمالكم الطيبة الصالحة تثابون عليها يوم القيامة، وتنتفعون بها في الآخرة، وكذلك أعمالكم الخبيثة، فإنكم تجازون عليها يوم الموقف الأعظم، وتعذبون بسبب ما ارتكبتموه من الأمور المخلة، فليجتهد كل إنسان: ويدخر لنفسه من الأعمال الصالحات ما يعود نفعه عليه في وقت شدة حاجته إليه، وليجهد نفسه على منعها من ارتكاب ما يخل بالآداب الإنسانية، والقواعد الشرعية لئلا يكون وزر ذلك عليه في يوم لا شفيع يشفع إلا بإذن الله سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت