فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 669

ولما فهم بعض المحققين هذا حدّ التوبة بحدّ آخر، فقال: هي ترك اختيار ذنب سبق منك مثله حقيقة أو تقديرا لأجل الله، وهذا أسدُّ العبارات وأجمعها، وبيان ذلك أن التائب لا بدّ أن يكون تاركا للذنب غير أن ذلك الذنب الماضي قد وقع، وفرغ منه، فلا يصحّ تركه، إذ هو غير متمكن من عينه لا تركا ولا فعلا، وإنما هو متمكن من مثله حقيقة، وهو زنى آخر مثلا، فلو جُبّ لم تصح منه حقيقة الزنى.

بل الذي يصح منه أن يقدر أنه لو كان متمكنا من الزنى لتركه.

فلو قدّرنا مَن لم يقع منه ذنب لم يصح منه إلا اتقاء ما يمكن أن يقع، لا ترك مثل ما وقع فيكون متقيا لا تائبا، فتدبر هذا.

وقال: فاعلم أن الباعث على التوبة تنبيه إلهي ينبه مَن أراد سعادته لقبح الذنوب وضررها، فإنها سموم مهلكة تفوّت على الإنسان سعادة الدنيا والآخرة، وتحجبه عن معرفة الله تعالى في الدنيا، وعن تقريبه وكرامته في الدار الآخرة، ومن انكشف له هذا، وتفقّد نفسه وجد نفسه مشحونة بهذا السم، ومملوءة بهذه الآفات، فلا شك في أن من حصل له علمُ ذلك انبعث منه خوف هجوم الهلاك، فتتعيّن عليه المبادرة لطلب أمر يدفع به عن نفسه ضرر ما يتوقعه، ويخافه، فحينئذ ينبعث منه الندم على ما فرّط، وترك مثل ما سبق مخافة عقوبة الله تعالى، فيصدق عليه أنه تائب، فإن لم يكن كذلك كان مصرا على المعصية، ومُلازمًا لأسباب الهلكة.

ثم اعلم بعد هذا أن الذنوب إما كفر، وإما غيره، فتوبة الكفر عند موته مقطوع بقبولها، وما عداها فمقبولة إن شاء الله بوعده الصدق، وقوله الحق، وأعني بالقبول الخلاص من ضرر الذنوب حتى يرجع كمن لم يعمل ذنبًا كما قال r"التائب من الذنب كمن لا ذنب له".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت