فهرس الكتاب
"وما ألطف قول ابن الجوزي إذ سئل أأسبح أو أستغفر؟ فقال: الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور، والاستغفار استفعال من الغفران وأصله الغفر وهو إلباس الشيء ما يصونه عما يدنسه، وتدنيس كل شيء بحسبه، والغفران من الله للعبد أن يصونه عن العذاب، والتوبة ترك الذنب على أحد الأوجه، وفي الشرع ترك الذنب لقبحه والندم على فعله والعزم على عدم العود ورد المظلمة إن كانت أو طلب البراءة من صاحبها وهي أبلغ ضروب الاعتذار، لأن المعتذر إما أن يقول لا أفعل فلا يقع الموقع عند من اعتذر له لقيام احتمال أنه فعل، لا سيما إن ثبت ذلك عنده عنه أو يقول فعلت لأجل كذا ويذكر شيئا يقيم عذره وهو فوق الأول أو يقول فعلت ولكن أسأت وقد أقلعت وهذا أعلاه انتهى من كلام الراغب ملخصا."
وقال القرطبي في"المفهم"7/ 69 - 71:
"اختلفت عبارات المشايخ فيها فقائل يقول: إنها الندم. وآخر يقول: إنها العزم على أن لا يعود. وآخر يقول: إنها الإقلاع عن الذنب. ورابع يجمع بين تلك الأمور الثلاثة، فيقول: إنها الندم على ذنب وقع، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على ألا يعود إليه، وهذا أكملها غير أنه مع ما فيه من التركيب المحذور في الحدود غير مانع، ولا جامع."
بيان الأول: أنه قد يندم، ويقلع، ويعزم، ولا يكون تائبًا شرعًا، إذ قد يفعل ذلك شحا على ماله، أو لئلا يعيره الناس من ذلك، ولا تصح التوبة الشرعية إلا بالنية والإخلاص، فإنها من أعظم العبادات الواجبات، ولذلك قال تعالى {توبوا إلى الله توبة نصوحا} .
وأما الثاني: فبيانه يخرج منه من زنى مثلا ثم قُطع ذَكَره، فإنه لا يتأتى منه غير الندم على ما مضى من الزنى، وأما العزم والإقلاع فغير متصوَّرين منه، ومع ذلك فالتوبة من الزنى صحيحة في حقِّه إجماعًا.
وبهذا اغترّ من قال: إن الندم يكفي في حدّ التوبة، وليس بصحيح، لأنه لو ندم ولم يقلع وعزم على العود لم يكن تائبًا اتفاقًا.