ثم إن من جهل هؤلاء ظنهم أن في هذه الآية حجة للقدرية واحتجاج بعض القدرية بها وذلك أنه لا خلاف بين الناس في أن الطاعات والمعاصي سواء من جهة القدر، فمن قال: إن العبد هو الموجد لفعله دون الله، أو هو الخالق لفعله، وأن الله لم يخلق أفعال العباد فلا فرق عنده بين الطاعة والمعصية، ومن أثبت خلق الأفعال وأثبت الجبر أو نفاه، أو أمسك عن نفيه وإثباته مطلقا، وفصل المعنى أو لم يفصله: فلا فرق عنده بين الطاعة والمعصية، فتبين أن إدخال هذه الآية في القدر في غاية الجهالة وذلك أن الحسنات والسيئات في الآية المراد بها المسار والمضار دون الطاعات والمعاصي كما في قوله تعالى {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} وهو الشر والخير في قوله: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} ، وكذلك قوله: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها} وقوله تعالى {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني} وقوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ. ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [الأعراف: 94، 95] ، وقال تعالى: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} ، فهذه حال فرعون وملئه مع موسى ومن معه كحال الكفار والمنافقين والظالمين مع محمد وأصحابه إذا أصابهم نعمة وخير قالوا: لنا هذه أو قالوا: هذه من عند الله وإن أصابهم عذاب وشر تطيروا بالنبي والمؤمنين وقالوا: هذه بذنوبهم وإنما هي بذنوب أنفسهم لا بذنوب المؤمنين وهو سبحانه ذكر هذا في بيان حال الناكلين عن الجهاد الذين يلومون المؤمنين على الجهاد، فإذا أصابهم نصر ونحوه، قالوا: هذا من عند الله وإن أصابتهم محنة