قالوا: هذه من عند هذا الذي جاءنا بالأمر والنهي والجهاد، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} إلى قوله: {وإن منكم لمن ليبطئن} إلى قوله: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال} إلى قوله: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة} أي: هؤلاء المذمومين {يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} أي: بسبب أمرك ونهيك، قال الله تعالى: {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} {ما أصابك من حسنة} أي: من نعمة {فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} أي: فبذنبك، كما قال: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} وقال: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم} .
وأما القسم الثالث في هذا الباب: فهم قوم لبسوا الحق بالباطل وهم بين أهل الإيمان أهل الخير وبين شرار الناس، وهم الخائضون في القدر بالباطل، فقوم يرون أنهم هم الذين يهدون أنفسهم ويضلونها ويوجبون لها فعل الطاعة وفعل المعصية بغير إعانة منه وتوفيق للطاعة ولا خذلان منه في المعصية، وقوم لا يثبتون لأنفسهم فعلا ولا قدرة ولا أمرا.
ثم من هؤلاء من ينحل عن الأمر والنهي فيكون أكفر الخلق وهم في احتجاجهم بالقدر متناقضون، إذ لا بد من فعل يحبونه وفعل يبغضونه ولا بد لهم ولكل أحد من دفع الضرر الحاصل بأفعال المعتدين فإذا جعلوا الحسنات والسيئات سواسية لم يمكنهم أن يذموا أحدا ولا يدفعوا ظالما ولا يقابلوا مسيئا وإن يبيحوا للناس من أنفسهم كل ما يشتهيه مشته ونحو ذلك من الأمور التي لا يعيش عليها بنو آدم، إذ هم مضطرون إلى شرع فيه أمر ونهي أعظم من اضطرارهم إلى الأكل واللباس"."