وأما الخروج عليهم بالسيف، فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين، نعم إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله أو جيرانه، لم ينبغ له التعرض لهم حينئذ، لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره، كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره، ومع هذا، فمتى خاف منهم على نفسه السيف، أو السوط، أو الحبس، أو القيد، أو النفي، أو أخذ المال، أو نحو ذلك من الأذى؟ سقط أمرهم ونهيهم، وقد نص الأئمة على ذلك، منهم: مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم.
قال أحمد: لا يتعرض للسلطان، فإن سيفه مسلول ...
وقال ابن رجب: وقد ورد ما يستدل به على سقوط الأمر والنهي عند عدم القبول والانتفاع به، ففي"سنن أبي داود"و"ابن ماجه"و"الترمذي"عن أبي ثعلبة الخشني، أنه قيل له: كيف تقول في هذه الآية: {عليكم أنفسكم} ؟ فقال: أما والله لقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك أمر العوام"- حسنه الترمذي وصححه الحاكم وأقره الذهبي، والحديث صحيح لغيره خرجّته في"أحاديث الغربة وآثارها" تحت الحديث الرابع - وفي"سنن أبي داود"عن عبد الله بن عمرو، قال:"
"بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ ذكر الفتنة، فقال: إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا. وشبك بين أصابعه، فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك، جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة"- حديث صحيح، خرّجته في"أحاديث الغربة وآثارها"الحديث الرابع - وكذلك روي عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} ، قالوا: لم يأت تأويلها بعد، إنما تأويلها في آخر الزمان.