الشرط الثالث: أن لا يزول المنكر إلى ما هو أعظم منه، فإن كان هذا المنكر لو نهينا عنه، زال إلى ما هو أعظم منه، فإنه لا يجوز أن ننهى عنه، درءا لكبرى المفسدتين بصغريهما، لأنه إذا تعارض عندنا مفسدتان وكان إحداهما أكبر من الأخرى، فإننا نتقي الكبرى بالصغرى.
مثال ذلك: لو أن رجلًا يشرب الدخان أمامك فأردت أن تنهاه وتقيمه من المجلس، ولكنك تعرف أنك لو فعلت لذهب يجلس مع السكارى، ومعلوم أن شرب الخمر أعظم من شرب الدخان، فهنا لا ننهاه، بل نعالجه بالتي هي أحسن لئلا يؤول الأمر إلى ما هو أنكر وأعظم.
ويُذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه مرّ بقوم في الشام من التتار ووجدهم يشربون الخمر، وكان معه صاحب له، فمرّ بهم شيخ الإسلام ولم ينههم، فقال له صاحبه: لماذا لم تنههم؟ قال: لو نهيناهم لذهبوا يهتكون أعراض المسلمين وينهبون أموالهم، وهذا أعظم من شربهم الخمر، فتركهم مخافة أن يفعلوا ما هو أنكر وأعظم، وهذا لا شك أنه من فقهه رحمه الله.
الشرط الرابع: اختلف العلماء رحمهم الله هل يشترط أن يكون الآمر والناهي فاعلًا لما أمر به، تاركًا لما نهى عنه أو لا؟ والصحيح أنه لا يشترط، وأنه إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر، وإن كان لا يفعل المعروف ولا يتجنب المنكر، فإن ذنبه عليه، لكن يجب أن يأمر وينهى، لأنه إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفعل المأمور ولا يترك المحظور، لأضاف ذنبا إلى ذنبه، لذا فإنه يجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وإن كان يفعل المنكر ويترك المعروف.
ولكن في الغالب بمقتضى الطبيعة الفطرية أن الإنسان لا يأمر الناس بشيء لا يفعله، بل يستحي، ويخجل، ولا ينهى الناس عن شيء يفعله.
لكن الواجب أن يأمر بما أمر به الشرع وإن كان لا يفعله وأن ينهي عما نهي عنه الشرع، وإن كان لا يتجنبه، لأن كل واحد منهم واجب منفصل عن الآخر، وهما متلازمين.