"وقد يقال مع ذلك: إن إحداهما في السماء والأخرى في بطن الأم، والأظهر - والله أعلم - أنها مرة واحدة، ولعل ذلك يختلف باختلاف الأجنة، فبعضهم يكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى، وبعضهم بعد الأربعين الثالثة ... وبكل حال، فهذه الكتابة التي تكتب للجنين في بطن أمه غير كتابة المقادير السابقة لخلق الخلائق المذكورة في قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] ، كما في"صحيح مسلم"عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"
"إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة".
وفي حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة".
وقد سبق ذكر ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه"أن الملك إذا سأل عن حال النطفة، أمر أن يذهب إلى الكتاب السابق، ويقال له: إنك تجد فيه قصة هذه النطفة"، وقد تكاثرت النصوص بذكر الكتاب السابق، بالسعادة والشقاوة، ففي"الصحيحين"عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا، ندع العمل؟ فقال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة، فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى} [الليل: 5] الآيتين".
ففي هذا الحديث أن السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما، وأن ذلك مقدر بحسب الأعمال، وأن كلا ميسر لما خلق له من الأعمال التي هي سبب للسعادة أو الشقاوة.
وفي"الصحيحين"عن عمران بن حصين، قال: