للناس، من ذلك قربه من سعد زغلول، ومن ذلك دعم حزب السعديين المادي والمعنوي للعقاد، فقد قرر عددًا من كتبه على تلاميذ المدارس، وعيّنه الملك فاروق عضوًا في مجلس الشيوخ.
بل وتلقى دعمًا من الإنجليز حين طبعوا كتابه (هتلر في الميزان) بآلاف النسخ ووزعوها على مختلف البلاد العربية، ثم بعد ذلك حين ترجموا كتبه ـ وخاصة العبقريات ـ إلى لغات أخرى شرقية وغربية. وتلقى دعمًا من الأمريكان حين نقل سيرة مؤسس دولتهم (بنيامين فرانكلين) بالعربية ونشرها ببعض التعليقات عليها.
ومَردُّ كِبر العقاد في حِسِّ كثيرٍ من الناس وشهرته الواسعة إلى أنه كان مشاكسًا شرسًا دائمًا في الاتجاه المعاكس، ثائرًا على السائرين حوله، شديدَ الجلبة والصياح كما مرَّ بنا.
ومَردُّ كِبر العقاد في حِسِّ كثيرٍ من الناس إلى أن العقاد بدا لعامة القراء كأنه من المدافعين عن الإسلام، أو الصامدين في وجه المعتدين على حرمات الدين، من المستشرقين!!
وهذا الكلام من الكذب والخداع من ناحيتين:
الأولى: أن العقاد لم يكن في وجه المستشرقين مدافعًا عن الإسلام، بل كان العقاد يتبنى فكرًا ويدافع عنه، وكان بين المستشرقين كأحدِهم يَقْبَلُ منهم ويرفض، وقبوله ورفضه بعقله لا بشرع ربه، فقد كان يعرض أفكارهم على عقله، فما استقام له أخذه وما لم يستقم له تركه ورد عليه. وقد مضى أنه حمل بضاعة الإنجليز في النقد الأدبي (الرومانسية الثائرة على الكلاسيكية) ، ونظَّر لها في بلادنا. وستأتي أمثلة أخرى فكرية وعقدية ليس أكبرها أنه دافع عن (عصمة) كتاب النصارى، ووقف ـ بقصد أو بدون قصد ـ بجوار المنصّرين يرد حجج المسلمين على بطلان دين الصليب!! حتى القضايا التي دافع فيها عن الإسلام كان دفاعه مهزوزًا. ونأتي على مناقشة ذلك كله إن شاء الله وقدَّر.
وحتى تعرف صوابَ قولي أعرض عليك ما قاله ناشر كتب عباس العقاد [1] ، يقول: (كان العقاد محايدًا يحتكم للمنطق، ومعطيات علم المناهج وعلم النفس، والمحاكمة العقلية، والنهج العقلاني. فلم يكن فيما أراد إثباته أو نفيه ذلك المؤمن الذي يكتفي بإيمانه ويقتصر على أدلة ذلك الإيمان، ويدعو الخصم إلى منازلته في ساحته هو؛ بل انتقل إلى ساحة الخصم واستعمل سلاحه، حتى لا يكون للخصم إذ يُغلب أية تَعِلَّة في انهزامية وحبوط رأيه وحكمه) .
(1) دار الكتاب ـ لبنان، في كلمة الناشر في مقدمة المجلد الخامس ص 13.