إسرائيل إلى قرب المسيح عليه السلام، ثم توحيد بمفهوم العقاد للتوحيد.
وهذا عجيب .. وكأن العقاد لا يقرأ كتاب الله!! أو كأن العقاد لا يصدق ما جاء في كتاب الله!!
إسرائيل هو يعقوب ـ عليه السلام ـ وبنو إسرائيل هم أبناؤه [1] ، وكان نبيًّا موحدًا، وأبناؤه كانوا مؤمنين موحدين، وقيل بنبوتهم، وكان منهم يوسف ـ عليه السلام ـ نبي من أنبياء الله، وأكبر أنبياء بني إسرائيل وأكثرهم أثرًا فيهم وفي التاريخ قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو موسى بن عمران، وعندنا أنه كان نبيًّا مرسلًا يأتي يوم القيامة ومعه السواد العظيم من المؤمنين الموحدين يدخلون جنةَ ربِّ العالمين، في الحديث: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ» [2] ، وبعد موسى ـ عليه السلام ـ «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الأَنْبِيَاءُ؛ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ» [3] .
لا يرى العقاد أيًّا من هذا، ويمضي ليقول: إنهم كانوا مشركين لم يعرفوا التوحيد إلا بعد ذلك بقرونٍ عديدة!!
والتبس الأمر على العقاد، فبنو إسرائيل طرأ عليهم الشرك كما غيرهم من الأمم، ولم يخلُ زمان من نذير يذكر الناس بأيام الله، ولم تخل أمة من رسول يتلو عليها آيات ربه، قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) } [فاطر: 24] ، و (يهواه) الذي يتكلم عنه العقادُ ظهر في المشركين من بني إسرائيل، ولم يكن هو معبود بني إسرائيل كلهم من أبيهم إبراهيم إلى عيسى ـ عليه السلام ـ والذين جاءوا من بعده، وإنما عبده المشركون منهم فقط، أولئك الذين حرفوا الكتاب، وعُرِفَ عند يهود وعند غير يهود من الوثنين ممن عاصروهم أو سبقوهم أو لحقوهم [4] .
فعَبَدَةُ (يهواه) هم المشركون من بني إسرائيل، وهم الذين كتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا: هذا من عند الله، وما هو من عند الله، بل قالوا على الله الكذب وهم يعلمون. وظن العقاد أن كل بني
(1) يهود اليوم لا يصح نسب غالبيتهم ليعقوب ـ عليه السلام ـ فكل جماعة منهم يشكك بعضها في نسب بعض، فمن قديم تكلموا في أنساب يهود العرب، واليوم يتكلم في نسبهم العارفون بتاريخهم؛ يقولون: إنهم من قبائل أوروبا الشرقية دخلوا اليهودية مع ملكهم.
(2) متفق عليه؛ البخاري برقم 3158، ومسلم برقم 323.
(3) البخاري برقم 3196، ومسلم برقم 3429، واعترف العقاد بذلك في تعليقه ـ في ذات الكتاب ـ على تأثر اليهودية بالفلسفة.
(4) تكلمت عنه ثريا منقوش في كتابها (التوحيد في تطوره التاريخي) ، وتكلم عنه جواد علي في المفصل، وهذا الأمر طبعي في الوثنيات كلها، حتى أصنام العرب كلها بلا استثناء عرفت عند الشعوب الأخرى التي سبقتهم، وهو الشيطان يوحي لأوليائه في كل مكان بذات الشرك.