يكون فيها أول نبي، إبراهيم ـ عليه السلام ـ!!
يدلّل بهذا على وجود إبراهيم عليه السلام، وهو دليل ساقط في كنهه وساقط في محله الذي يوجه إليه، ومنقوص أينما نظرت إليه، ولا يعنيني مناقشة العقاد من هذه الناحية، وإنما فقط أردت أن أبين نظرة الرجل للنبوة والأنبياء من خلال هذا الطرح.
ولاحظ أنَّ العقاد يرى أن الأنبياء لا يصلحون إلا لهذه المدن، ولا يصلحون لا للبادية ولا للمدن الكبيرة ذات الحضارة!!
ويرى العقاد أن هناك نوعين من الديانات، ديانات الأنبياء و (ديانات) غير الأنبياء، أو كما يسميها هو أحيانًا (ديانات كتابية) و (ديانات غير كتابية) ، ويصرح ـ في كتابه (إبليس) وكتابه (الله) تحديدًا ـ أن الوثنية عنده هي الديانات غير الكتابية، وديانات الأنبياء المعروفين (إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم -) هي الديانات الكتابية ويرتب بينهما، فعنده الديانات غير الكتابية (الوثنية) كانت دهرًا طويلًا قبل الكتابية (ديانات الأنبياء) [1] ، ويقارن بينهما فيقول: (والاختلاف بينها وبين الديانات الأخرى أن النبي لا يعينه أحد ولا ينبعث بأمر أحد، ولكنه ينبعث بباعث واحد من وحي ضميره ووحي خالقه) [2] .
ويقارن بين النبي والكاهن؛ فيذكر أن الكاهن يعين والنبي لا يعين، ويذكر أن الكاهن وجهته نظام المجتمع وتقاليد الدولة وما إليها من الظواهر أو الواجبات العامة، والنبي وجهته سريرة الإنسان [3] !! وأضف إلى ذلك ما تقدم من أن النبي يبعث في مدن القوافل، أمّا الكهان فيبعثون في المدن الكبرى ذات الحضارات!! وأضف إلى ذلك ما أشار إليه بقوله: (إذ كانت أمانة النبوة المجاهدة شيئًا غير أمانة الإصلاح والتعليم) ، فالأنبياء لشيءٍ آخر غير الإصلاح والتعليم.
وهذا الكلام لا تجده ولا تسمع به إلا عند العقاد، لا يقول به مسلم ولا نصراني ولا يهودي .. بل ولا وثني، فقط تسمعه من العقَّاد المتفرد دائمًا، ولا تتعب نفسك بالبحث عن مصدره فلن تجد، إنه العقاد جهده في الغريب المريب، ولذا تجد تخبيطًا لا تدري من أين جاء به؟!
الكهانة كانت موجودة في البادية وفي الحضر .. في المدن الكبرى وفي المدن الصغرى، في كل
(1) انظر: كتاب (إبليس) ص 86، وقد رتب كتابه بناءً على الزمن، وصرّح في الصفحة المذكورة (86) بالترتيب، وهو ينطبق مع ما يتكلم به العقاد من تطور الديانات كما تطورت المعيشة!! وكله كذب، والبيان في النص أعلاه.
(2) ص 157، وأكد المعنى ذاته في ص 179.
(3) إبراهيم أبو الأنبياء ص 157، 158.