2 ـ المثال الثاني، أدلل به على أن العقاد يدافع عن النصرانية .. وعلى أن العقاد سطحي في تفكيره لا يملك غير البيان والاستخفاف بعقول القراء؛ يقول: (روايات الأناجيل تطابق التطور المعقول من بداية الدعوة إلى نهايتها، ومن التطور المعقول أن تبتدئ الدعوة قومية عنصرية ثم تنتهي إنسانية عالمية، وأن تبتدئ في تحفظ ومحافظة ثم تنتهي إلى الشك والمخالفة، وأن تبتدئ بقليل من الثقة في شخصية الداعي ثم تنتهي بالثقة التي لا حد لها في نفوس الأتباع والأشياع، وهكذا كانت الدعوة المسيحية كما روتها الأناجيل دون أن يتعمد كُتَّابها تطبيق أحوال التطور أو تلتفت أذهانهم إلى معنى تلك الأحوال) [1] .
العامة يمرون بهذا الكلام فلا يفهمون منه إلا أن كتاب النصارى بخير، والنصارى يمرون بهذا الكلام فيفرحون به على علته، ويستحضرونه في مجالسهم حين يتكلمون لمريديهم ومن ينصرونهم؛ يقولون لهم: (علماء المسلمين) يشهدون لكتابنا، وقد فعل الكذاب اللئيم زكريا بطرس وفعلت المجرمة ناهد متولي [2] .
أقول: وهذا الكلام (بَكَش) يعرف عواره المختصون، وقد بينتُ في المبحث السابق أنه لم يكن تطور ولا يحزنون، وإنما العقاد (بكَّاش) ، كلامه من جنس كلام (المصاطب) ، بعيد تمامًا عن العلمية والضبط.
3 ـ المثال الثالث، أدلل به على أن العقاد يدافع عن النصرانية .. وعلى أن العقاد سطحي في تفكيره لا يملك غير البيان والاستخفاف بعقول القراء ويقف عند هذا النص: في كتاب النصارى أن الشيطان تسلط على ربهم أربعين يومًا وليلة يهبط به ويصعد، ويدخل به ويخرج، ويقوم به ويعقد، ويأمره وينهاه، وهي إحدى الكبر التي يتوارى منها النصارى، ونسألهم: كيف يتسلط الشيطان على رب الأرباب؟! وكيف يأخذه ويسيح به هكذا؟! أإله هذا؟! ولا نجد إجابة، بل تتسارع خطاهم وترتجف شفاهم، ولا تسمع إجابة مرضية.
العقاد ـ كالعادة ـ حشر نفسه وراح يرد نيابة عنهم، وليته احترم عقول من يقرأ، وليته احترم نفسه وهو يتكلم، بل قال: كانت هذه الرحلة التي تسلط فيها الشيطان على رب الأرباب نوع من
(1) موسوعة عباس العقاد الإسلامية (1/ 633) ط. دار الكتب لبنان.
(2) الحلقة 16 من برنامج أسئلة عن الإيمان.