يكن دافعًا علميًا خالصًا لدى جمهرة المستشرقين؛ لأن من طبيعة الدافع العلمي أن يكون نزيهًا عادلًا، حريصًا على استجلاء الحقيقة بتجرد وصدق وإنصاف، لا تتحكم فيه موروثات أو رواسب ثقيلة مما صنعته البيئة الخاصة، أو أملته وقائع تاريخية معينة تتم بتسجيل فترات الخصومات الدموية والنزاع العدواني.
ولكن هذه الشروط التي تجعل دراسة الاستشراق للإسلام وتاريخه واللغة العربية عملًا علميًا صحيحًا ليست متوفرة للمستشرقين الأوروبيين الذين اتجهوا للدراسات الإسلامية، ذلك أن موقف الأوروبي من الإسلام ليس موقف كره في غير مبالاة فحسب، كما هي الحال في موقفه من سائر الأديان والثقافات، بل هو كره عميق الجذور يقوم في الأكثر على صدور من التعصب الشديد، وهذا الكره ليس عقليًا فحسب، لكنه يصطبغ -أيضًا- بصبغة عاطفية قوية، فقد لا تقبل أوروبا تعاليم الفلسفة البوذية أو الهندوكية، لكنها تحتفظ دائمًا -فيما يتعلق بهذين المذهبين- بموقف عقلي متزن ومبني على التفكير، إلا أنها حالما تتجه إلى الإسلام يختل التوازن، ويأخذ الميل العاطفي بالتسرب؛ حتى أن أبرز المستشرقين الأوروبيين جعلوا من أنفسهم فريسة التحزب غير العلمي في كتاباتهم عن الإسلام، ويظهر في جميع بحوثهم -على الأكثر- كما لو أن الإسلام لا يمكن أن يعالج على أنه موضوع بحث في البحث العلمي، بل على أنه متهم يقف أمام قضاته. إن بعض المستشرقين يمثلون دور المدعي العام الذي يحاول إثبات الجريمة، وبعضهم يقوم مقام المحامي في الدفاع، فهو مع اقتناعه شخصيًا بإجرام موكله لا يستطيع أكثر من أن يطلب له مع شيء من الفتور اعتبار الأسباب المخففة.
وعلى الجملة فإن طريقة الاستقراء والاستنتاج التي يتبعها أكثر المستشرقين تذكرنا بوقائع دواوين التفتيش؛ تلك الدواوين التي أنشأتها (الكنيسة الكاثولوكية) لخصومها في العصور الوسطى؛ أي أن تلك الطريقة لم يتفق لها أبدًا أن نظرت في القرائن التاريخية بتجرد، ولكنها كانت في كل دعوى تبدأ باستنتاج متفق عليه من قبل، قد أملاه عليها تعصبها لرأيها، ويختار المستشرقون شهودهم حسب الاستنتاج الذي يقصدون إليه مبدئيًا، وإذا تعذر عليهم الاختيار العرفي للشهود، عمدوا إلى اقتطاع أقسام من الحقيقة التي شهد بها الشهود الحاضرون ثم فصلوها من المتن أو تأولوا الشهادات بروح غير علمي من سوء القصد، دون أن ينسبوا قيمة ما إلى عرض القضية من وجهة نظر الجانب الآخر، أي من قبل المسلمين أنفسهم.
وليست نتيجة هذه المحاكمة سوى صورة مشوهة للإسلام وللأمور الإسلامية نواجهها في جميع ما كتبه مستشرقو أوروبا، وليس ذلك قاصرًا على بلد دون آخر -إنك تجده في إنكلترا وألمانيا، وفي روسيا وفرنسا، وفي إيطاليا وهولندا- وبكلمة واحدة، في كل صقع يتجه المستشرقون فيه بأبصارهم نحو الإسلام، ويظهر أنهم ينتشون بشيء من السرور الخبيث حينما تعرض لهم فرصة -حقيقية أو خيالية- ينالون بها من الإسلام عن طريق النقد [1] .
أولًا: الدافع الديني ويتلخص في الآتي:
1 -الضعف في الإسلام وتشويه حقائقه، والافتراءات عليه بمختلف الأكاذيب من قبل الرهبان؛ لكي يثبتوا لجماهيرهم التي تخضع لزعامتهم الدينية أن الإسلام هو الخصم الوحيد للمسيحية، وهو دين لا يستحق الانتشار، وأن المسلمين قوم همج لصوص وسفاكو دماء، يحثهم دينهم على الملذات الجسدية ويبعدهم عن كل سمو
(1) محمد أسد: الإسلام على مفترق الطرق، (ص:52 - 54) .