فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 221

وغيرها من بلاد الأندلس، ثم قصدوا سنة (484 هـ) جزيرة صقلية وملكوها، فلما كانت سنة (490 هـ) خرجوا إلى بلاد الشام» [1] .

فانطلاقة النصارى كانت من بلاد الأندلس لما رأوا انتصاراتهم فيها، وبقيت فيها منهم جيوش تقاتل من بقي من المسلمين، وجيوش أخرى انطلقت من أوروبا إلى الشرق الإسلامي.

وقد استمرت هذه الحملات الصليبية قرنين من الزمن، من حملة بطرس الناسك

عام (489 هـ) إلى سقوط عكا وما بعدها في أيدي المسلمين عام (690 هـ) ، وبسقوطها انتهت دولة النصارى في الشرق الإسلامي، وبقي منهم باقية عاشت تحت حكم المسلمين.

بعد سقوط عكا، وانتهاء الحكم الصليبي في الشرق الإسلامي حاول البابا (نيقولا) الرابع تهييج النصارى في أوروبا؛ بإلقاء المواعظ والخطب التي ذكَّرهم فيها بسقوط ممالك الصليب في الشرق الإسلامي، وعقد المجامع الكنسية مناديًا بإعادة مملكة عكا وبيت المقدس، لكن الأوروبيين تعبوا من تسيير حملاتهم إلى الشرق الإسلامي، وأحسوا بحجم الخسائر التي لحقتهم من جراء ذلك على مدى قرنين من الزمن [2] .

وبعد إخفاق النصارى في المعارك الحربية لجأوا إلى التنصير بين المسلمين عن طريق الإرساليات التنصيرية، ويعتبر المنصر (ريموندلول) أول نصراني يتولى التنصير بعد فشل الحروب الصليبية في مهمتها.

وكان (ريموندلول) يحث المسيحيين على تعلم اللغة العربية؛ بهدف استعمالها لتنصير المسلمين، وقد تعلمها هو نفسه لذلك الهدف، وأبحر إلى تونس والجزائر؛ حيث عُرف هناك بالصوفي النصراني، وكان يطوف بين المسلمين واعظًا منصرًا حتى سجن وطرد من هناك.

ثم تتابعت بعد ذلك في القرن الخامس عشر إرساليات التنصير إلى الهند والسند وجاوه وإلى غرب أفريقيا، وبدأ اختلاط المنصرين بالمسلمين يتزايد مع مرور الزمن والأيام.

وأخذ العمل التنصيري بعد ذلك بُعده المنظم؛ حيث خصَّ البارون (دوينز)

سنة (1664 م) على تأسيس مدرسة تكون قاعدة لتخريج المنصرين بعد تعليمهم

أصول التنصير ووسائله [3] .

وفي القرن الثامن عشر والتاسع عشر أخذ على عاتقه نشر الكتب التي تحرض على التنصير، وقوبلت دعوته بالاستحسان في أوروبا، ونجم عن هذا الجهد تأسيس جمعية لندن التنصيرية في عام (1795 م) ، وتبعتها أخريات في اسكتلنده ونيويورك، وانتشرت الفكرة في ألمانيا، والدنمارك، وهولندا، والسويد، والنرويج، وتأسست جمعية باسم (جمعية التنصير في أرض التوراة العثمانية) ؛ أي تولي عملية التنصير في البلاد العربية التي كانت تحت السلطة العثمانية يومئذ [4] .

وهكذا بدأ التنصير ينمو ويتسارع، ويأخذ تنوعًا في الأساليب، وتلونًا في

(1) ابن الأثير: الكامل، (8/ 185) .

(2) أحمد شلبي: الحروب الصليبية في المشرق، (ص:642) .

(3) انظر: عبد الرحمن الميداني، أجنحة المكر الثلاثة، (ص:28) .

(4) المرجع نفسه: (ص:28) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت